رمز الخبر: 327439
تأريخ النشر: 18 December 2013 - 00:00

الساعة السادسة، بحيرة الحب

نويد شاهد : \"الساعة السادسة عند بحيرة مريوان\" عنوان للمذكرات اليومية لـ \"بروين نوبخت\" (الإسم المستعار)، أصدر \"مركز الفكر والفن الإسلامي\" 40 ألف نسخة منها في تموز 1982. هذا الكتاب يحمل عنوان السلسلة الخامسة للقصة ضمن مجموعة كتب \"مهرجان سوره\"، ولأسباب لم تنشر طبعته الثانية منذ العام 1982 وهو من الكتب النادرة المتعلقة بالإشتباكات التي وقعت في محافظة كردستان الإيرانية في عامي 1980و1981.


علي حسب تقرير نويد شاهد نقلا عن وكالة أنباء الكتاب الإيرانية \"إيبنا\"، سيد قاسم ياحسيني: لم تمض أيام علي إنتصار الثورة الإسلامية في إيران حتي عمت الفوضي في كردستان، وبعد زيارة آية الله سيد محمود طالقاني لها هدأت الأوضاع قليلاً، لكن بعد ربيع 1980 تفاقمت الأوضاع مجدداً بشدة حيث إضطرت الحكومة الإيرانية المؤقتة برئاسة المهندس بازركان التدخل العسكري لحسمها، فنشبت حرب أهلية فيها، المعارضة للثورة كانت تشمل أحزاب وحركات مثل \"منظمة مجاهدي خلق\"، و\"الحزب الديمقراطي الكردستاني\"، و\"حزب كومله\" و...الخ. معظم المدن والقري الكوردية كانت تشهد إشتباكات وفوضي، والهجوم علي المراكز الحكومية والعسكرية خاصة معسكرات الجيش، وقُتل الكثير في هذه الإشتباكات. وبعد أيام دعا قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام الخميني رحمة الله عليه الشعب الإيراني لإخماد نار الفتنة وتهدئة الأوضاع في كردستان ومحاربة العناصر والفصائل المعارضة للثورة الإسلامية. فأعلنت التعبئة العامة في كافة أرجاء إيران، وذهب آلاف من المتطوعين من الشعب، منهم عشرات النساء والفتيات إلي كردستان فأخمدوا نار الفتنة فيها. لا توجد أعمال فنية وأدبية كثيرة حول وقائع وأحداث كردستان في السنوات من 1980 حتي 1982، وتتضاءل مذكرات الناشطين آنذاك تحديداً الأكراد المؤيدون للثورة الإسلامية، ربما التحفظات الأمنية هي السبب وراء ذلك. علي أي حال، فإن المذكرات اليومية لـ \"بروين نوبخت\" بعنوان \"الساعة السادسة عند بحيرة مريوان\" هي من الذكريات القديمة المتبقية من تلك الأيام الساخنة، وأصدر مركز الفكر والفن الإسلامي 40 ألف نسخة من هذه المذكرات في تموز عام 1982 بحجم ورقي في 92 صفحة. هذا الكتاب يحمل عنوان السلسة الخامسة للقصة ضمن مجموعة كتب \"مهرجان سوره\"، ولأسباب لم تنشر طبعته الثانية منذ العام 1982 وهو من الكتب النادرة المتعلقة بالإشتباكات في محافظة كردستان الإيرانية في عامي 1980 و1981. المقدمة التي كتبها الناشر علي هذا الكتاب كانت إيدئولوجية، كما كانت كتابة هذه المقدمات في السنوات الأولي للستينيات الهجرية الشمسية أمراً إعتيادياً، وجاء في المقدمة: الكتاب الموجود بين يديكم هو مذكرات يومية كتبتها زوجة شهيد بطلب منه دون أن تكون لديها أي خبرة في الكتابة، وكما أراد الله سبحانه وتعالي أخذ الكتاب منحاً قصصياً مستوحياً من الحياة اليومية للكاتبة. لذلك، قرّر قسم القصة بمركز الفكر والفن الإسلامي وضع هذه المذكرات في متناول أيدي الشعب الإيراني المسلم بدلاً من السلسلة الخامسة للقصة. كتاب ذكريات بروين نوبخت يستعرض مذكرات يومية كتبت خلال الأيام والأشهر والسنوات من 14 سبتمبر 1981 حتي 1 أبريل 1982 وصدرت بعد أربعة أشهر في تموز 1982. الكاتبة في الأسطر الأولي لمذكراتها تكشف عن كافة مواضيع وأسرار كتاب ذكرياته وهذا دليل علي عملها غير المهني وانعدام الخبرة والتجربة الكافية لديها، حيث تقول: «اليوم يوافق 14 سبتمبر 1981، قبل شهر في اليوم ذاته، عقد صادق (نوبخت) قراني، وكان المصحف الشريف مهري وصداقي، أيضاً صادق جعل نفسه صداقاً لي، الآن الساعة السابعة والربع مساءاً، وأنا متضايقة جداً، لكنني سعيدة في الوقت نفسه لأن أمنية صادق قد تحققت اذ توصل إلي مبتغاه، وأنا أحمد ربي ولطفه عليّ بأن أكون زوجة شهيد، لكنني حزينة جداً علي فراق شريك حياتي.» (الصفحة 11). أطر المذكرات اليومية لبروين تشبه كثيراً للأسلوب ألادبي المسمي بـ \"الإنسياق الذهني\"، بغض النظر عن إستبعاد صدور ذلك من المؤلفة تعمداً ووعياً، بروين ليست كاتبة مهنية محترفة، والنص الذي كتبته طبيعي وغير منتظم وبدائي، نثره بسيط وحميمي وحواري وروائي، وجملاته تحفل بالمشاعر والعواطف الجياشة، لكنها إيدئولوجية، فهو تجسيد للمشاعر والرؤية النسائية لما يدور حولنا، وبضاعة لم يكن يقبل عليها الخطاب الرسمي والإعلام الحكومي ووسائل الإعلام في بدايات الثورة الإسلامية. ففي تلك السنوات، لم تكن لمفاهيم مثل \"الحب\" و\"العاطفة الفردية والشخصية\"، و\"المشاعر النسائية الداخلية\" معناً، وكانت هي محظورة في المفردات والأدبيات الرسمية وكانت تُواجه بيد من حديد. ففي هذه الأجواء الفكرية والثقافية والأدبية، إصدار كتاب \"الساعة السادسة عند بحيرة مريوان\" كان حدثاً نادراً و\"عملاً أدبياً غير متوقع\" أثار ضجة في الوسط الأدبي والفني المنسجم مع الثورة الإسلامية وحتي بين أوساط الشعب، مستقطباً أذهان الكثير من الناس. الموضوع الكلي للمذكرات اليومية لبروين نوبخت يروي حباً طاهراً وبريئاً في أجواء من الحياء والإستحياء الذي تتخلق به الفتيات الشرقيات وكرسم تحطمت نقوشه فتطايرت وانتثرت أجزاءه الصغيرة والكبيرة بين صحفات الكتاب كلها. لذلك، القاريء لا يجد أمامه نصاً روائياً زمنياً ومؤرخاً، فالأحداث والوقائع والذكريات وحتي المشاعر سلسة وهلامية جداً يتأرجح فيها الزمان والمكان كأهم عناصر رواية تاريخية تتقدم وتتأخر وتتنقل من محطة إلي الأخري. وهذا أسلوب أدبي يوازي طريقة الإنسياق الذهني في أعمال روائيين كبار مثل \"مارسل بروست\" و\"فيرجينيا ولف\"، و\"ويليام فاكنر\". بإمكاننا إعادة كتابة الشكل الروائي والتاريخي لحياة \"بروين\" و\"صادق\" وحبهما، بطريقة مضغوطة وتلخصية كالتالي: بروين فتاة كردية من سكان كرمانشاه، وهي البنت البكر للعائلة، تدرس في فرع التصميم بجامعة طهران، هي رسامة ماهرة، تقدم إليها شباب كثيرون للزواج لكنهم واجهوا جدار رفضها، بروين كانت من أعضاء الجمعية الإسلامية الطلابية، وكان لها حضور مؤثر وفعال في حادث الإستيلاء علي السفارة الأمريكية في طهران في اليوم الثالث من نوفمبر 1979 والأشهر التي تلت هذا الحدث. بالليل كانت تحرس مع صديقاتها في مقر وكر الجواسيس (الإسم الذي كان يطلق علي السفارة الأمريكية). وكانت شابة ناشطة أثناء ملتقي الحركات التحررية العالمية المنعقد في العام 1980 بطهران، ورسمت لوحات من الشخصيات العالمية المهمة في هذا الملتقي التاريخي. وكانت تؤمن إيماناً حقيقاً بالإسلام والثورة وقائدها، وسافرت إلي مدينة \"إسلام آباد غرب\" في محافظة كرمانشاه للمشاركة في معرض صور كان قد نظّمه \"الطلاب السائرون علي درب الإمام الخميني\" وهناك تعرفت صدفة وللمرة الأولي علي \"صادق نوبخت\". وتقول عن هذه اللحظة التاريخية في حياتها: «للمرة الأولي تعرفت علي صادق في إسلام آباد، وعندما نظّمت المعرض بالنيابة عن الطلاب السائرين علي درب الإمام الخميني رحمة الله عليه، ساعدني صادق في ذلك، وألصق عدداً من الصور علي الكرتون، وعندما عرفت أنه مسؤول الحرس بمنطقة \"كرند\" بدأت أسأله عن الأوضاع هناك ....» (الصفحة 47). إلصاق الصور علي الكرتون أطلق شرارة حب جم في قلب بروين! وتقول عنها: «المفارقة أنه عندما إلتقيت بصادق للمرة الأولي أدركت أنه يختلف عن غيره، فأعجبني سلوكه، وعندما قرّر العودة إلي طهران، كنت أنوي مطالبته البقاء والتحدث إليّ عن أوضاع كرند أكثر، وعندما طلب الزواج معي تحت الأشجار في مدينة مريوان الحدودية، ذكرت له نيتي هذه.» الأخ صادق نوبخت كان طهرانياً ومسؤول الحرس الثوري بمنطقة كرند، وفي تلك الفترة لم يكن قد انهي الثانوية العامة بعد، وكان أقل سناً من بروين بسنوات! وبعد أن إستشهد صادق، روت بروين هذا الفرق السني معه كالتالي: «.... الكثير جاء علي مثوي صادق الأخير، من الغريب والرفيق، وزملائه في الدراسة، فأضحكني هذا المشهد كثيراً أي إجتماع عدد من طلاب الثانوية العامة علي قبر صادق، وأنهم من زملاء زوجي في الدراسة، علي أي حال، صادق كان يتميز عن غيره كثيراً.» (الصفحة 88) وتكونت علاقة غرامية بسرعة بين الطالبة بروين والطالب المدرسي \"صادق\". وبعد فترة وجيزة تحدثا عن قصة حبهما تحت شجرة في مدينة مريوان التابعة لمحافظة كردستان التي كانت تحترق بين نيران الحرب الأهلية وترابها ملطّخ بدماء شبابها وأهاليها. هنا، طلب صادق من بروين الزواج معه، وهي كونها ملتهفة سارعت في القبول تحت الشجرة فوراً. وفي تموز 1981 قرّر هذان الزوجان الملتهفان الزواج الذي كان حافلاً بالحب والأمنيات الكبري والغرام. تقول الكاتبة بروين: «تقرر في ذلك اليوم أن يأتي صادق مع أحد الإخوة في الحرس إلي بيتنا، للحديث مع والدي، وعقد القران في ذلك اليوم إن أمكن ذلك، كان من المقرر إجراء العقد شفهياً وتأجيل العقد الرسمي والمكتوب لحين تتوفر الفرصة لنا لنزور الإمام الخميني رحمة الله عليه. كانت الساعة 11:30 صباحاً، جاء صادق وحيداً بحقيبته اليدوية: قلت له: لماذا جئت وحيداً؟ قال: لأن ذلك الأخ كان مشغولاً ولم يتمكن من الحضور ساورني القلق، لأن الوالد قد لا يعجبه ذلك، لكنه لم يعارض زواجنا وسط إستغرابنا الكثير، فهو ضحك فقط قائلاً: تزوجا وكونا سعيدين. فأحضرت رسالة أحد المراجع وإطلّع هو علي التعليمات اللازمة بشأن إجراء عقد القران، طلبت منه إجراء العقد الدائم، وبما أن تحديد الصداق كان ضرورياً لإجراء العقد فإخترنا نسخة صغيرة من المصحف الشريف كالصداق، ثم مازحته بالقول: إضافة إلي مليون تومان فإستغرب قليلاً وقال: أتصدق؟ ضحكت قائلةً: ألا تعرفني، مازحتك! فأختر بنفسك شيئاً آخراً إضافة للمصحف الشريف؟ فماذا تجعله صداقاً لي غيره؟ ضحك، قال بشكل خاص: أجعل نفسي صداقاً لك. قلت ماذا؟ قال: نفسي! لن أنس هذه الجملة وحالة أدائها أبداً، ثم تصيّغنا بشكل بسيط، أتذكر أن صادق كان مرتبكاً قليلاً، فلم يتلفظ صيغة العقد صحيحاً وأنا كنت أصحّح له وكرّر الصيغة مجددا، ثم أغلقت الرسالة، فقال صادق هائجاً بلهجة صبيانية: ـ أنت الآن زوجتي!» (الصفحتين الـ 14ـ13). ثم، سافر الزوجان الشابان من كرمانشاه إلي مدينتي سنندج ومريوان لمحاربة معارضي الثورة، واللحظات والأيام زادت من حبهما وغرامهما، لدرجة قلقا علي أن يبعدهما حبهما عن الحب السماوي والإلهي، فأتذكر ليلة قلت فيها لصادق: ـ أنا قلق! قال: مما؟ قلت: ـ من أن حبنا وتعلقنا يعرضنا عن ذكر ربنا وخالقنا! يجب أن نضحّي بالغالي والنفيس في سبيل الله. قال: أجل، يجب أن نذكر بأن ما نملك من النفس والمال هو في سبيل الله. حبنا وحياتنا وإنفصالنا، وحتي إنقطاع العلاقة بيننا. وأنا قلت: حتي الطلاق بيننا! » (الصحفة 20). الله هو المعيار والمقياس في المزح والمرح والفرح. تقول بروين: «.... عندما ذهبنا سوياً إلي مدينة ديواندره، تحدث صادق عن الشهادة كثيراً وقال: عليك مواصلة دربي وطريقي بعدي! وأنا مازحته وقلت له: ـ أجل، بعد إستشهادك، أواصل المسيرة وحيداً أ و مع شخص آخر؟! لن أنس رده وحالته: وضع رأسه علي مقواد السيارة، وتريث قليلاً ونظر إليّ فقال: ـ بأي طريقة تستطيعين أن تخدمي في سبيل ربك...» (الصفحة 72ـ71). قرّر صادق نوبخت بعد أيام من إجراء صيغة العقد وقبل العرس المشاركة في عملية عسكرية ضد القوات المعارضة للثورة، فسافر من سنندج متجهاً نحو مدينة مريوان، لكن زوجته عارضته في هذا التوجه: «لن أنس وضعي وحالاتي النفسية في تلك اللحظة، قلت لصادق، لا تشارك في هذه العملية لأسباب منطقية، وكان كلامي الأخير له: ـ صادق أقسمك بالله لا تشارك في هذه العملية، علي الأقل هذا الأسبوع لاتذهب، إسمح لي أن آتي إلي مريوان ثم إنطلق للعملية. قال صادق: ـ إذا حان موعد العملية، سأذهب. قلت: أنا لا أرضي. ضحك وقال: ـ كافة الأعمال تحتاج إلي رضائك، إلا هذا العمل الذي يحتاج إلي رضا الله.» (الصفحة 25) وبعد المغادرة، إلتزما بوعد غرامي، من الوعود الغرامية التي تلتزم بها الأرواح والأنفاس الطيبة: «... في اليوم الذي فصل بيننا لم نكن نحتمل أسبوعاً من الفراق، فقررنا تخصيص الساعة السادسة مساءاً للتفكير ببعضنا البعض، والحديث النفسي معاً في هذه الساعة، فتقرر أن يذهب صادق في هذه الساعة إلي بحيرة مريوان وأنا في سنندج أتذكره أينما كنت.» (الصحفة 29). إلتزم صادق بوعده: «لكن صادق لم يتمكن حتي اليوم الأخير من الذهاب إلي البحيرة، لكنه في هذا اليوم إلتزم بوعده وهو نفس اليوم الذي كتب فيه وصيته.» (الصفحة 30ـ29). ترك صادق زوجته بروين في سنندج، وذهب إلي مريوان وحيداً للمشاركة في عملية ضد مناوئي الثورة، وجسّدت بروين حالاته النفسية والداخلية علي الورق بالكلمات التالية: عندما حان موعد تناول العشاء، أكلت مع إحدي الأخوات قسطاً من البطاطة..... ثم أرادت هي فتح معلبة لم أسمح لها، كم كنت أحب أن يرافقني صادق في سنندج بدلاً من هذه الأخت، قلبي كان مليئاً بالحديث لقوله لصادق، في تلك الليلة تحدثت إلي \"مهري\" حول صادق وحياتي، وأن الحياة جميلة ومحببة، فذكرت قصة حياتي مع صادق من أولها إلي آخرها عند صديقتي. لم تكن من عادتي أن أذكر حياتي كلها للنساء، لكنني فعلت ذلك في تلك الليلة، وهذا سلّاني، وإستغفرت ربي علي هذه الأفكار، لكنني قلت أنه لا أحبذ أن يستشهد صادق بهذه السرعة، قلت: ـ لا أحب الحياة بعد صادق والعيش دونه، فمن الأفضل أن أستشهد حال إستشهاده. وأيدت مهري أيضاً التي كان زوجها من قوات الحرس الثوري بما قلت لها، قائلة: ـ نعم! أنا كنت أردد دائماً: «لا توجد مشكلة إذا أستشهد (زوجي)، لكن عندما يذهب لعملية عسكرية عيناي محدقتان علي الباب لرؤيته حينما يعود» (الصفحة 26). وأخيراً، استشهد صادق إثر إصابة رأسه بطلقة نارية من الخلف في إشتباك مع قوات منظمة مجاهدي الخلق في منطقة تسمّي \"درزبان\" في يوم الجمعة بنهاية شهر تموز 1981 في ليلة مقمرة، بعد أقل من أسبوع من إجراء عقد قران بروين، وقبل إقامة حفل العرس. فتخيلت بروين لحظات إستشهاد زوجها هكذا: «.... كيف قضي صادق آخر يوم من حياته؟ يقول أصدقائه: لم يكن له قرار وكان حزيناً، وفي نفس الوقت فرحاً. وكان يساوره القلق فيحدثنا بكلام عجيب وغريب خاصة حول إستشهاده.» (الصفحة 24). تروي بروين طريقة إستشهاد صادق كالتالي: «... مجموعة من قوات مجاهدي خلق كانت لها ضلوع في إستشهاد صادق، فهم أطلقوا النار عليه من داخل حظيرة، هم أخباث جبناء.» (الصفحة 37) لم تتحدث بروين في ذكرياتها المنشورة عن طريقة تلقيها نبأ إستشهاد زوجها وردة فعلها علي هذا النبأ، يمكن القول أن مشاعرها وعواطفها لم تسمح لها بكتابة شيء عن هذا المشهد، لكن من خلال قراءة نصوص المذكرات نفهم أنها أصيبت بصدمة نفسية شديدة تمنت الموت والإلتحاق بزوجها الشهيد كثيراً ولمدة طويلة. وأحياناً هذه الأمنيات تمتزج بحسد نسائي يحدث مشاهد درامية وجميلة في الكتاب: «حزت خلال هذه الأيام المعدودات، هنالك دعاء يشتمل علي سور من القرآن الكريم، يقال أنه من قرأها يري محبوبه في المنام، أقرأ هذا الدعاء منذ أربعة أيام لكن لم أره في المنام، أمس غضبت وتشاجرت معه كثيراً، قلت له: ـ حسناً، اليوم في الجنة تجتمع حولك الحواري، فنسيتني؟ ولا ترض أن تزرني حتي في المنام! لكن بعد نصف ساعة أي الساعة السادسة مساءاً التي تصادف موعدنا اليوم تصالحت معه وقلت له: ـ إذا لم تأتني هذه الليلة في المنام، فلن أحدثك ثلاثة أيام! (الصفحة 36) بروين تحسد الحوريات في الجنة أيضاً، ولا تحبذ أن يعاشر صادق مع هذه الجميلات! فتروي شعوره النسوي هذا في مذكراته: «.... بعد إستشهاده قلت في نفسي مراراً: يا ليتني كنت قد قلت لصادق أنه عندما يستشهد لا يتزوج مع أي حورية في الجنة، وأنا هنا لن أتزوج مع أي رجل، حتي أنتقل إلي الآخرة التي لا فصل و لا إنفصام فيها، ونتزوج ثانياً.» (الصفحة 71). بروين بعد موت صادق تبحث عنه في كل حد وصوب، فتدعو الله أن يرضي عنها ويلحقها بصادق. وفي مذكراته تشكو إلي الله شوقها وحنينها، فتقول: «كما يبدو إفتقدت صادق وانفصلنا عن بعضنا البعض، لكنني أعلم أن هذا الفراق موقت، سنلتقي يوماً ما، فيا لهذا اليوم! اللهم أرزقنا هذا اليوم المتجلي في أمنياتي، لكي أقول حينها: فزت ورب الكعبة، ربي! قلبي يرغب ملياً بالرحلة والوصال بك ولقاء صادق الذي كان يرافقني، وهذا الشوق يرغبني عن الحياة في هذه الدنيا بلا حد وحصر. لكنني أتحمل، لكن يا إلهي ومولاي، هل يمكن أن ألقاه؟» (الصفحة 19). بالرغم من أن كتاب \"الساعة السادسة عند بحيرة مريوان\" رواية عن حب بريء ودرامي وميلودرامي، لكنه من زاوية نقد المصادر يعتبر عملاً من الطراز الأول للمؤرخين الذين يريدون توثيق القصص الحزينة لكردستان في السنوات الأولي بعد الثورة، فهذا الكتاب يسجل مشاهد وحالات مثيرة تصطكّ له الرّكب، وتجدر بالعناية والإهتمام، فهو رواية عن رجال ونساء ربانيين. بعد فترة وجيزة من إستشهاد صادق، قرّرت بروين الذهاب إلي طهران من كرمانشاه وكردستان اللتين أصبحتا سجناً بالنسبة لها وروحها الطاهرة، والحلول في هذه المدينة الكبيرة، فسافرت من سنندج إلي مريوان للوداع مع \"بحيرة الحب\". وداعها مع هذه البحيرة مثير وبهيج: «.... هذه هي الليلة الأخيرة التي أبقي في مريوان {...} الساعة السادسة إستذكرت صادق {...} الليلة البدر كامل، وتصادف الذكري الشهري لإستشهاد صادق. غدا تمضي خمسة أشهر علي إسشتهاد صادق. ووفقاً لخطط صادق كان ينبغي أن نترك مريوان في هذا التوقيت، لأنه تقرر أن نبقي فيها ثلاثة أو أربعة شهور فقط، أنا أغادر مريوان حقاً؟ أحببت لو أري البحيرة مرة أخري. علي أي حال، أنا ذاهبة لإنطلاقة من جديد. بعد تجارب ومرارتها وحلاوتها وبعد فترة بصحبتك يا صادق؟ لست معي الآن! كنت أتمني لو تكون معي اليوم و(....)، وتغازلني. لكنك لم تكن يا صادق! أين كنت؟ أنا أغادر مريوان دونك. آه مريوان، وآه مريوان.... الوداع ... الوداع!» (الصفحة 81ـ80). خلوت إلي نفسي مراراً، قائلاً: لو كانت مفردات وأدبيات الثورة والحرب العراقية المفروضة علي إيران تتشكل علي أساس كتاب \"الساعة السادسة عند بحيرة مريوان\" وتتكامل معه، لكنا نملك اليوم أحد أحدث الآداب العالمية وأكثرها تألقاً.
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
جدید‬ الموقع
الاكثر قراءة