رمز الخبر: 213333
تأريخ النشر: 24 June 2009 - 00:00

ولادة القائد

وجاء من أقصي المدينة رجل يسعي ... من حيث الرخاء أتي .. من حيث الحياة الدنيا وزينتها أتي .. من بلاد الشهوات واللهو .. نفض غبار الملل والقعود ، واتبع الجهاد الذي يرفع صاحبه إلي مرتبة يفضله الله تعالي بها علي القاعدين ، في عينيه عناء المحرومين ، في نظراته دموع اليتامي ، في تواضعه موسي الصدر ، وفي جهاده أمل . إنه الشهيد القائد مصطفي شمران ، وكي نسجل في التأريخ أننا أوفياء لشهدائنا و قادتنا المجاهدين وكي لا نساهم ، لأن سيرتهم تتصل بسيرة قائدنا المغيب السيد موسي الصدر و جهاده ، وبتعاليم من الأخ الرئيس الحاج نبيه بري بتصميم صفحة للشهيد القائد مصطفي شمران تروي سيرة أبطال من تربوا في أمل ، ودافعوا عن قضايا المحرومين في العالم ... ولم يبدلوا تبديلا. وستبقي أمل بإذن الله تعالي حركة اللبناني نحو الأفضل .. ولن تهدأ مادام هناك محروم واحد . أما بعد ..


ولادة قائد: ولد الشهيد القائد مصطفي شمران عام ( 1933في مدينة قم ، ثم ما لبث أن انتقلت عائلته إلي طهران للعيش فيها بعد عام واحد من مولده. وكان الشهيد القائد طفلاً محباً للعزلة غارقاً في التأمل والتفكر متجنباً للصخب والضجيج ومستغرقاً في مشاهدة جمال وجلال الطبيعة والوجود الإلهي. كما كان معجباً بالسماء وعاشقاً للنجوم المتلألئة. وبعد أن أنهي دراسته الابتدائية في مدرسة (انتصارية) بالقرب من (پامنار) فانه انتقل إلي ثانوية دار الفنون، ثم قضي العامين الأخيرين في ثانوية (البرز) دون مصاريف دراسية، وكان تلميذاً ممتازاً علي طوال هذه المرحلة. كما كان يتميز بالرقة و الحساسية المفرطة، و يتألم من صميم قلبه لآلام المحرومين و يشاركهم عناءهم بعواطفه المستفيضة. و لقد كتب هو في مذكراته مصورا ًتلك الفترة من حياته، فقال: "عندما كنت عائداً تحت جنح الليل المظلم، شاهدت شخصاً فقيراً يرتجف من البرد القارس وسط ثلوج الشتاء، غير أنه لم يكن بإمكاني أن أعد له مكاناً دافئاً، فقررت أن أقضي تلك الليلة مثله أرتعش من البرد بعيداً عن المأوي، وقد فعلت؛ فقطعت الليل حتي الصباح و أنا أرتجف من شدة البرودة لدرجة أنني أصبت بالمرض الشديد، و ما أجمله من مرض". "عندما رسب أحد زملائي في الامتحان أخذت أذرف الدموع بحرارة لدرجة أنه شعر بالألم الشديد، فأخذ يهدئ من روعي قائلاً : ليس مهمّاً، لا تحزن إلي هذه الدرجة". التحاقه بالجامعة: و في عام 1332هــ.ش التحق الشهيد القائد مصطفي شمران بالكلية الفنية في جامعة طهران و بدأ دراسته في قسم الهندسة الكهربائية، و لمّا كانت تلك الفترة متزامنة مع مرحلة الانقلاب فإنه اضطلع بالنشاط الواسع في النضال السياسي الشعبي و التظاهرات الخطيرة المناوئة للنظام الملكي .فحيثما كان الألم والعناء و العمل و المسؤولية و المشاكل و المخاطر، كان الشهيد القائد حاضراً؛ فكان يركب الخطر وسط التظاهرات العارمة و أمام الإطلاقات النارية و في مواجهة الدبابات و في خضم المسؤوليات الكبري، و كان دائماً ما يعرض نفسه للخطر من أجل إنقاذ حياة زملائه. لم يكن يشارك في مراسم الأفراح و المسرات، و كانت سعادته الكبري في إسعاد الآخرين و تحمل آلامهم، لدرجة أنه كان يشعر بالضيق و القلق عندما تسترعيه الضرورة لحضور أحد الأفراح، لأنه كان دائم التفكير في شقاء البؤساء و المحرومين من مثل هذه المتع و المباهج. و مع انخراطه الكامل في كل هذه المشاكل و مشاركته الفعالة في ميادين الصراع السياسي و الاجتماعي ألاّ أنه تخرج من الجامعة بدرجة ممتاز و كان الأول علي دفعته حتي إن أساتذة و طلاب تلك الكلية ظلوا يتناقلون اسمه علي ألسنتهم عدة سنوات؛ و يقول الشهيد القائد مصوراً مشاعره و عواطفه في تلك الأيام: "أذكر أنني كنت أذهب إلي الجامعة، و كان الثلج يتساقط و الجو بارداً، و تمرّ عليّ أيام و لم يكن لديّ من النقود شيء، و كنت أقطع الطريق الطويل من المنزل إلي المدرسة مشياً مما كان يستغرق أكثر من ساعة و نصف، و هو الأمر الذي كان يجعل يديّ و قدميّ تتجمدان من شدة البرد، غير أنني لم أكن أطلب نقوداً من أحد. و كان والدي كثيراً ما يلحّ عليّ بإعطائي النقود و لكني لم أكن لأقبل ذلك، حيث كان من العسير عليّ جداً أن أتقبل شيئاً من أحد، و لاسيما عندما كنت أتعرض للضغوط الشديدة مع قسوة الحياة. و ظل هذا الإحساس ينمو ثم يلقي بظلاله علي كل حياتي و يؤثر بشكل فلسفي عميق علي شتي أفكاري و أفعالي". لقد كان الشهيد القائد يمارس التدريس منذ الصغر و يسدّ بعض حاجاته من ذلك الطريق؛ لقد كان عبقرياً في الرياضيات وخاصة في الهندسة لدرجة لا يشق له فيها غبار، و عندما كان الاستاذ يعرض حلاً لإحدي المسائل كان هو سرعان ما يعرض حلاً أفضل. و إضافة علي ذلك فإنه كان يحضر درس تفسير القرآن الكريم لدي المرحوم آية الله الطالقاني في مسجد (هدايت) كما كان يحضر دروس الفلسفة والمنطق عندما كان طالباً جامعياً لدي الأستاذ الشهيد آية الله مرتضي المطهري، و كان عضواً نشطاً في اتحاد الطلبة المسلمين عندما كان يتهم المسلم المتدين بالرجعية و التخلف. و مع أن الجامعة في تلك الفترة كانت خاضعة للسيطرة السياسية الشيوعية من جانب (حزب توده) وعندما كان مسجد الجامعة لا يتجاوز حجرة صغيرة مهملة في الكلية الفنية لا يدلف إليها ألاّ قلة من الطلبة مع الكثير من الخوف جراء ما يمارس ضدهم اليساريون من إهانة و تصفية سياسية، ألاّ أنه كان أحد الذين أضفوا رونقاً وبهاءً علي ذلك المصلي بحضورهم المتواصل، لدرجة أن أول كلية استطاعت أن تعبئ قواها الدينية والوطنية ضد قواعد اليساريين (أعضاء حزب تودة) وتقضي عليها في اتحاد الطلاب كانت في الواقع هي الكلية الفنية في جامعة طهران. و بعد الحركة الانقلابية في الثامن والعشرين من شهر مرداد و تأسيس جمع من رجال الدين و السياسة لنهضة المقاومة الوطنية، فإنه أصبح ممثل الكلية الفنية في هذه النهضة. و عندما وقعت تلك الحادثة الدموية في السادس عشر من شهر آذر سنة 1333هــ.ش التي أطلق خلالها جلاوزة الشاه الرصاص علي الطلبة فقتلوا ثلاثة منهم في ممرات الكلية الفنية لدي قدوم الرئيس الأمريكي نيكسون، فإن الشهيد القائد كان أحد الذين أصيبوا بجراح طفيفة في ذلك اليوم. كما كان هو الذي كتب مقالاً في ذلك الزمان و صور فيه شتي أبعاد ومشاهد حادثة يوم السادس عشر من آذر، وهو ذلك المقال الذي نُشر في أمريكا فيما بعد في مطبوعة بنفس هذا الاسم. وفضلاً عن كفاءته الدراسية والعلمية العالية فإنه كان يتمتع أيضاً بذوق فني وحس عرفاني ممتاز. فخطه الجميل ورسومه الرائعة وكتاباته السلسة وكذلك خصوصياته العقائدية البارزة في قوله وسلوكه تجعله متميزاً عن أترابه منذ شبابه المبكر. ومع أنه كان يبدو نحيفاً ألاّ أنه كان يبز أقرانه في المصارعة و الرياضة الميدانية. و لهذا فإنه كان يحب المصارع البطل (تختي) و كتب مقالاً تجليلاً له بعد موته ( المصارع الشهم تختي).
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
جدید‬ الموقع
الاكثر قراءة