رمز الخبر: 209506
تأريخ النشر: 21 May 2009 - 00:00
حوارالباحث و الاستاذ الجامعي السيد أحمد تميم داري

الصديق اقرب إليّ مني(حول العرفان)

التصوف هو تراث ثقافي بشري لا يعود الي شخص واحد او الي مجموعة خاصة. ففي الصدر الاسلامي كان اشخاص يطلق عليهم اسم اصحاب الصفة و كانت هذه المجموعة تقطن علي دكات مسجد النبي (ص) لهم حياة بسيطة جداً. و كانوا يمارسون عبادات طويلة و متعشقون لأسداء الخدمة للناس و لم يبخلوا عن بذل اي جهد في هذا الجانب. و من جانب آخر كان توقعهم من الحياة شيئاً قليلاً جداً و في كلام واحد كان غايتهم الرئيسي هو القناعة و الخدمة و المحبة. و قد جري اسم هؤلاء بسرعة علي الألسن و اعتبروا بالمجموعة التي ادركت طريق الحق. فهذه الطريقة توسعت شيئاً فشيئاً و اوجدت نوعاً من التصوف في العالم الاسلامي.


افاد مراسل نويد شاهد ان السيد أحمد تميم داري هو أديب و خبير و باحث في اللغة الفارسية من مواليد عام 1944 بطهران و هو متخرج بشهادة دكتوراه في اللغة و الآداب الفارسية من جامعة طهران و كان له اساتذة معروفين كشريف رضائي و السيد علي شاه تشراغي و السيد جعفر شهيدي و أحمد مهدوي دامغاني و غيرهم. و السيد تميم داري هو عضو في الهيئة العلمية لمجلس نشر اللغة الفارسية و آدابها و رئيس تحرير فصليته «سخن عشق» و عضو في الهيئة العلمية لكلية الآداب لجامعة العلامة طباطبائي. و من اعماله يمكن أن نشير إلي العناوين التالية. القصص الايرانية و تاريخ الأدب الفارسي و شرح القصيدة الكلامية لصاحب بن عباد و العرفان و الادب الفارسي في العهد الصفوي و الآداب الايرانية في بريطانيا و امريكا و ترجمه جانب من «دانش نامه ايران شناسي» (رسالة العلوم الايرانية) و التلاحم بين الثقافة الايرانية و الهندية (مقال) و اللغة العربية و آدابها في شبه القارة الهندية (مقال) و دور الايرانيين في كتابة الموسوعة (مقال) و غيرها. و يشير الاستاذ احمد تميم داري في هذا المقال إلي العرفان و يعتبره تراثاً مشتركاً للثقافة البشرية ثم يقدم تاريخاً موجزاً عن العرفان الاسلامي و الانسان الباحث عن الحقيقة في كافة العهود. و قد اجري الحوار هذا كل من السيدة مونا سيفي و السيد سيامك صديقي. س: الموضوع العام لبحثنا يدور حول العرفان و الشهادة و اكتشاف العلاقة الموجودة بين هاتين الكلمتين و لكن قبل الخوض في هذا الموضوع نكون بحاجة الي مقدمات يمكنها ان تساعدنا علي الادراك الافضل للموضوع. كمثال علي ذلك كيف تبلور العرفان الاسلامي و لماذا انتشر هذا العرفان و ما هو الدور الذي لعبه التصوف في هذا الجانب؟ ج: التصوف هو تراث ثقافي بشري لا يعود الي شخص واحد او الي مجموعة خاصة. ففي الصدر الاسلامي كان اشخاص يطلق عليهم اسم اصحاب الصفة و كانت هذه المجموعة تقطن علي دكات مسجد النبي (ص) لهم حياة بسيطة جداً. و كانوا يمارسون عبادات طويلة و متعشقون لأسداء الخدمة للناس و لم يبخلوا عن بذل اي جهد في هذا الجانب. و من جانب آخر كان توقعهم من الحياة شيئاً قليلاً جداً و في كلام واحد كان غايتهم الرئيسي هو القناعة و الخدمة و المحبة. و قد جري اسم هؤلاء بسرعة علي الألسن و اعتبروا بالمجموعة التي ادركت طريق الحق. فهذه الطريقة توسعت شيئاً فشيئاً و اوجدت نوعاً من التصوف في العالم الاسلامي. و في الواقع يمكن القول بان التصوف الاولي له شأن وصلة اكثر بالآداب و الاحكام الاسلامية. و يعني ذلك ان الصوفيين الاوائل كانوا يسعون من خلال ممارسة عباداتهم الطويلة و ترويض انفسهم و عوائلهم المحافظة علي اهدافهم الصوفية و لكن بعدها بفترات طويلة افرط البعض منهم في هذا النهج بشكل نسوا انفسهم و عوائلهم التي كانو يتحملون مسؤولية ادارتها. و قد منع مثل هذا التصوف في الاسلام لان الاسلام لا يكون دين العجائب و الغرائب و نسيان اداء المسؤولية حيال الاسرة و في النتيجة تم منع مثل هذا التصوف الذي لا تحترم فيه الاداب و لا الشريعة. و لكن ينبغي الحديث عن هذا الموضوع في مجال آخر. فعلي آية حال بالنظر الي كلام ائمتنا و خاصة الامام الصادق عليه السلام اوجد من التصوف الذي كان يوجد بين الشريعة و الطريقة صلة و كانت قد تبلور اعتماداً علي رواية عن رسول الكريم (ص) و جاء في هذه الرواية: «الشريعة اعمالي و الطريقة اعمالي و الحقيقة احوالي» و يعني ذلك بأن الشريعة هي ظاهر الدين و الطريقة هي السلوك و العمل بالشريعة و الحقيقة تعني الحالة الداخلية الخاصة التي توجد للصوفي. س: و في نصوصنا العرفانية و خاصة في النصوص الادبية نواجه 7 اودية عرفانية لهم و التي يعتبرون للتصوف و سلوك الطريق من درجة المريد (السالك) الي درجة المراد (الشيخ) سبع مراحل. فمن اين أتت هذه المراحل السبعة؟ ج: و لكن المراحل السبعة هذه قد جاءت في كتب الكثير من الكبار و الشعراء العرفانيين لكن الواقع هو انهم تارة لم يؤكدو تأكيداً خاصاً علي هذه المراحل. لان الفرد لا يمكن وضعه في اطار قوانين خاصة. و مع ذلك العرفان الاسلامي هو تراث ثقافي للإنسان. و يعني ذلك إن العرفان كان لايختص بالاسلام. بل ان العرفان الاسلامي قدم اكمل اسلوب و افضله. كان لدينا سابقاً بحثاً حول العرفان في الاديان المختلفة. و نحن نجد هذا التراث تم نقله إلي الاسلام و اوجد الاسلام فيه تحولاً بتأثير من الأوامر القرآنية. فالله عز و جل يقول في سورة آل عمران: مصدقاً لما بين يديه من التوراة و الانجيل» و يعني ذلك ان القرآن الكريم يصدق بما جاء في التوراة و الانجيل و الواقع هو المكمل لهما. و فيما يتعلق بالمراحل السبعة للعرفان و بتعبير يبدو انه يكون تراثاً من ايران القديمة و حتي انه جاء من المرحلة الاسطورية لما قبل التاريخ فالافراد الصادقين كان عليهم ان يجتازوا سبع مراحل لبلوغ الكمال. فالمرحلة الاولي من هذه المراحل كان اسمها «الغراب» و كانوا يعتبرونها مرحلة البشارة و الغراب هو رمز للبشارة. و في معتقد العامة من الناس يقولون بأن الغراب قد جاءنا بخبر. و المرحلة الثانية هي مرحلة (التساوي) و المراد بسبب البشارات التي يحصل عليها يزداد الفرد اقتراباً إلي مريده. يشكل المرحلة الثالثة من هذه المسيرة العرفانية مرحلة الفداء و التضحية و المجاهدة و ينبغي علي المريد أن يحضر و يخسر وجوده بسبب معتقداته. و المرحلة التالية اسمها «الأسد» و هي مرحلة الشجاعة. الأسد يمثل اسطورة قديمة و جاءت في اساطير القديمة. مرحلة «الزهد» «فالزهادة» هي المرحلة الخامسة لهذا السلوك العرفاني و المراد ينبغي عليه أن يبلغ الزهد و التقوي و الكف عن القيام بالكثير من الاعمال. فهو في هذه المرحلة ينبغي عليه المحافظة علي نفسه من كل ما كان يلحق به الضرر و ضاراً بدينه و عقيدته. مرحلة «قاصد الشمس» او الرسالة هي المرحلة التالية و المريد في هذه المرحلة ينبغي عليه أن يتحول إلي مبـّلغ و يتولي مهام الابلاغ و التبليغ للدين و الهدي للآخرين و يقول مولوي في احد اشعاره : چو رسول آفتابم، همه ز آفتاب گويم نه شب پرستم كه حديث خواب گويم (لو كنت رسول الشمس لكان حديثي عن الشمس و لست ليلاً عابد الليل ليكون حديثي عن النوم) حسناً نجد أن كلمة رسول الشمس هي رسالة الشمس و قد دخلت العرفان الاسلامي دون اي تغيير. و آخر مرحلة إسمها «الشيخ» و هي مرحلة هداية الهداة. و يعني هداية الهادين. فهذه المراحل قد نفذت بشكل في الثقافة الايرانية الاسلامية و يحدث فيها تحول. في الواقع احدي الخصائص الايجابية جداً للإسلام هي الافادة من تراث باقي الثقافات و تحولها و منحها الانسجام علي أساس من القرآن و السنة النبوية. و بذلك دخلت هذه المفاهيم فعلي اية حال إن كافة الاديان الالهية تكون واحدة و تكون لاكمال الشريعة فيما بينها و تؤيد احداهما الاخري. و قد أدخل الشعراء و بعد ذلك هذه المراحل العرفانية في اعمالهم الشعرية بشيئ من التغيير و يكون الطلب و العشق و التوكل و الرضا و غيرها من جملة هذه المراحل. و انكم تستطيعون التوصل إلي قواسم مشتركة في ها المجال. و ينقل في تذكرة الاولياء للعطار النيشابوري الكثير من القصص و التي تشبه مرحلة الجندي و الآخرين ايضاً علي هذه الشاكلة. لكن المسألة التي ينبغي ذكرها هنا هي بما أن الايمان القلبي للصوفيين و العارفين بهذه المراحل و باجتيازها فالكثير منهم فقدوا ارواحهم بسبب هذا المعتقد و صاروا من اهل الفداء و التضحية و الشهادة و لذلك استشهد الكثير منهم. كما حدث للشيخ نجم الدين كبري او العطار النيشابوري. س: رويت قضية استشهاد العرفاء في التاريخ كثيراً و لدينا عارفون كبار بلغوا هذه الدرجة. فما كان سبب هذه الشهادة؟ فهل كان بسبب معارضة المجتمع لافكارهم او بسبب التزام هؤلاء العارفين بافكارهم و صمودهم علي المحافظة عليها؟ ج: اننا نستطيع قبول السببين كاسباب اساسية لشهادة هؤلاء العارفين. فعلي اية حال في مطالعة العرفان انكم تواجهون مصطلحات و مفاهيم يطلق عليها عنوان الشطح او الشطحيات. و في الواقع عندما كان العارفون يبلغون مراحل اعلي و يشهدون حقيقة باطنهم فكانوا يلفظون في حالة خلستهم و انعدام وعيهم كلاماً يطلق عليه إسم الشطحيات. و كان هذا الكلام لايدرك من جانب الذين يكون لهم ارتباطاً بالعالم الظاهر و كانوا لايستطيعون قط قبول ذلك او كانوا علي اقل تقدير لايستطيعون تفسير هذه المفاهيم لذلك كانوا يواجهون المعارضة. حتي و كان لدينا فقهاء يقفون بوجه العارفين و قد سمعتم بالتأكيد قصة جنيد البغدادي و حسين بن منصور الحلاج. ففي هذه القصة عندما كان جنيد في زي الفقهاء كان يفتي ضد الحلاج و لكن عندما ارتدي ملبوس العارفين راح يدافع عنه. و يعني ذلك يمكن القول بوجود رؤيتين مختلفتين بشكل كامل بين الصوفيين و العارفين. و كان الشيخ شهاب الدين السهروردي و الذي عرف بالشيخ المقتول و قد قتل بامر من صلاح الدين الايوبي بسبب قوله هذا الكلام. و كان اشخاص في هذا الجانب استطاعوا ان يبقوا احياء و كانوا في سفر دائم من امثال ابن العربي الذي لم يمكث في مكان محدد لفترة طويلة. و من القضايا الاخري للعارفين كان ايمانهم بوحدة الوجود و هذا ايضاً يبدو بحاجة إلي تفسير و تأويل. فالعارفون يرون بأنا المخلوقات تكون جميعها شيئاً واحداً و هي وجود من الله عز و جل. فهذا البحث يكون بحاجة إلي مزيد من التفسير اذ يقول الله عز و جل في القرآن الكريم « اني معكم». و يقول مولانا جلال الدين في هذا الجانب: پس يد مطلق نباشد در جهان بل به نسبت باشد اين را هم بدان زهر مار آن مار را باشد حيات نسبتش با آدمي باشد ممات بمعني: عدم وجود يد مطلقة في العالم بل الأمر فيها نسبياً السم في الحية يكون مصدر لحياتها لكنه يسبب الموت للانسان لكن الحلاج بالنظر إلي قوله انا الحق اصدروا الأمر بقتله دون أن يقدموا تفسيراً و تأويلاً لكلامه. و من جانب آخر كان هؤلاء العارفين قد وصلوا إلي درجات من الشهود و تذوقوا طعم الاقتراب إلي الصديق و لم يكونوا علي استعداد للعودة عن كلامهم. و لذلك فانهم قبلوا الشهادة بكل رغبة. س: قبل الحكم الصفوي كان اظهار التشيع امراً خطراً جداً و كان يتم قمع الشيعة بشدة. ففي مثل هذه الظروف هل كان لدينا آنذاك عارفين من المذهب الشيعي و هل كانت لهم اشارات لحياة الإمام الحسين (ع) باعتباره كان تواقاً للشهادة بكل رغبة؟ ج: هناك كتاب بعنوان الصلة بين التصوف و التشيع لكاتبه مصطفي كامل و قد ترجم هذا الكتاب إلي الفارسية و قد أشير في هذا الكتاب إلي عارفين كبار كالسيد صدر الآملي و مقبرته تكون في مدينة آمل تعرف بمقرة مير. فهذا الشخص ترجم مؤلفات ابن العربي في سبعة مجلدات و كان السيد حيدر الآملي من الشعراء و العارفين الشيعة. و قد شرح آثار ابن العربي. و كان هناك جانباً واسعاً من الشعراء في العرفان من الشيعة و إلي جانب هذا الموضوع يجب أن نشير إلي أن العارفين و الصوفيين لم يكونوا مقيدين كثيراً بالالتزام بالتسنن او بالتشيع و كانت قصتهم هي أن يأتوا مع جميع اهل المذاهب و يخدموا. فعندما يسألوا ابوالخير عن التصوف؟ فيقول بما معناه : اسداء الخدمة دون تحفظ و إبداء المحبة اللامتناهية. و يسألوه عن العدو؟ فيقول في اجابته : يصبح العدو صديقاً بالمحبة. فاسداء الخدمة هذه تحل القضية الشيعية و السنية إلي حد كبير و لذلك لايلاحظ في المتصوفين و خاصة في اعلامهم الكبار من امثال مولانا و العطار و سعدي و حافظ تعصبات جافة و مواقف كلامية بل انهم يتوسلون بالشخصيات التي يظنون أنها بلغت درجة الكمال. كمثال علي ذلك يشير سعدي في قصيدة معروفة له إلي قضية كربلاء يشير فيها الي مظلومية الامام الحسين (ع) و اصحابه و استشهادهم. كما تلاحظ هذه القضية في آثار العارفين الآخرين الكبار لذلك يتحول الامام الحسين (ع) بين العارفين من سنة و شيعة إلي رمز للمظلومية و إلي مراد و اخيراً الي الشهادة و وصوله إلي الصديق. و من جانب آخر كان لدينا الكثير من عارفين من ذوي المذهب الشيعي و خاصة في العرفان النظري الذي عملوا في ترويج الفكر الشيعي و تركوا تأثيراً كبيراً في المحافظة علي الفكر الشيعي و ابقائه حياً. و لكن كما اشرنا كان اظهار التشيع شيئاً في نهاية الخطورة و المخاطرة كما و ان الكثير من المسلمين قد قتلوا بحجة انتمائهم إلي المذهب الشيعي. و لذلك كان يبذل هؤلاء العارفون جهودهم لاخفاء افكارهم من أجل المحافظة علي اهدافهم و المحافظة علي حياة الشيعة. و كما يقول حافظ غيرتم گشت كه محبوب جهاني ليكن روز و شب عربدة با خلق خدا نتوان كرد (اخذتني الغيرة و انت محبوب العالم و لكن لايمكن العربدة مع الناس ليلاً و نهاراً) فهل يمكن الفرد أن يحارب الناس ليل نهار؟ فالنقطة المهمة هي ضرورة التحرك في كل زمن حسب المقتضيات. فتارة تفسيراً و تبريراً و تارة عبر التضحية و الشهادة. س: إن ما اقصده بشفافية اكثر هل اوجد تيار خاص من العرفان بعد حادثة كربلاء ليكون الشهداء الاثنين و السبعون محوراً لهذه التيارات؟ ج: نعم تباورت تيارات صوفية و عرفانية اثر قضية كربلاء و استشهاد المظلومين في هذه الحادثة و قد اشارت كتبنا كثيراً اليها، و لكن ينبغي جمع هذه الاشارات. من بينها كتاب تذكرة الأولياء، و لكن ينبغي جمع هذه الاشارات. و حتي كتب التاريخ الادبي و الوثائقي كتاريخ بيهقي و خاصة قصة حسنك الوزير و الذي جاءت في احوال إخاء حسنك حيث يقول : اني لا اكون اعلي من حسين بن علي و يعني ذلك ان الذين كانوا يبلغون الشهادة كانوا يبذلون سعيهم في عرض استشهادهم استشهاداً اصغر حيال استشهاد الامام الحسين (ع). ففي هذه الظروف كان يزداد صبرهم و تحملهم و كانوا من خلال اقتدائهم بالامام الحسين (ع) اكتساب درجة من الشهادة. و كان الايمان بالشهادة يؤدّي إلي ايجاد مجموعات مختلفة في الحقب التاريخية المختلفة اعتماداً علي هذه التيارات. كمثال علي ذلك «سربداران» (اصحاب الرؤوس علي المشائق) الذين كانوا يستندون دائماً باستشهاد الامام الحسين و كان الظلم الذي يمارس بحقهم يقارنون ذلك بتعسف اجهزة بني امية فهذه الحالات من المشابهة كانت تؤدي الي وجود اشخاص في كافة الحقب يقفون بوجه الظلم و الجور و في الحقبة الجديدة نجد وجود شخصيات جعلت استشهاد الامام الحسين(ع) محوراً لتيارات مختلفة و انموذج ذلك الدكتور تشمران انا كنت علي معرفة به من قرب. و كان قد حاز علي شهادة الدكتوراه من اكثر الجامعات اعتباراً في العالم. لكنه يقف لمسائدة من كان من ذوي مسلكه و الذين نهبت ديارهم و اموالهم و يستشهد في نهاية المطاف. او الاستاذ مطهري رغم كونه استاذاً جامعياً و امضي مرحلة من العلم و العرفان يستشهد. الدكتور مفتح هكذا استشهد و في الواقع كان هؤلاء اساتذة استشهدوا بسبب المعني و المفهوم للشهادة التي ظهر معناها و مفهومها من قضية كربلاء و قبلوا ذلك بكل رغبة. س: اعتقد بأن هذه الشهادة التي تعتبر افضل انموذج من الفناء في الله و البقاء في الله في العرفان؟ ج: نعم ان هذا الفناء في الله و البقاء في الله العرفاني يكون مصداقه في الشهادة و قد جاء في القرآن الكريم: «فلا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله امواتاً بل احياء و لكن لايشعرون». و في الواقع تتحدث هذه الآية عن الاحياء و ليس عن الممات. و قد حظيت هذه الآية باهتمام كبير من جانب العارفين و الكثير منهم قد تأثروا بهذه الآية كثيراً و تحركوا في مسير الشهادة و بلغوا البقاء في الله. س: لقد كان الكلام في هذه البحوث حول مقبولية العرفان و سلوك العارفين لكننا في تاريخ التصوف شهدنا معارضات شديدة لهم فما هو مصدر هذا التناقض؟ ج: نعم لقد كان هذا الانتقاد ليس من جانب علماء الدين وحدهم بل كان حتي يطرح من جانب آل بيت الرسول (ص) و الدليل علي ذلك يعود الي حالات الترويض الصعبة جداً و المضنية و السبل التي كان يختارها بعض الصوفيين حتي و كانت بعض المناظرات تدور بين الصوفيين السوريين و الامام الصادق(ع) و يمنع الامام الصادق هؤلاء الصوفيين من فنائهم لكل مالديهم في سبيل الله. و يشير الله عز و جل بوضوح في سور عديدة كسورة آل عمران إلي هذا الموضوع حيث يقول لهم بما معناه الاقربون اولي بالمعروف عليكم بانقاذ انفسكم و اهليكم و بعدها الاقربون ثم عشيرتكم. كما يشير جلال آل احمد إلي ما يقرب عن اشارة القرآن و يقول في وصيته بما معناه اذا حصلت موارد من اعمالي ينبغي أن تصرف اولاً علي اسرتي و بعدها علي اولاد اقاربي ممن ينوون مواصلة دراساتهم و لم تتوفر لديهم الامكانات و اذا لم توجد مثل هذه الحالة بين المعارف لتصرف الموارد علي ابناء المحلة و اذا لم يعثر علي مثل هؤلاء تصرف علي المدينة و حتي علي المدن الاخري. لكن الشيئ المؤسف هو تارة كان يعمل الصوفيون عن طريق الخطأ او المبالغة في العبادة و حتي من اجل الشهرة القيام باعمال ترويضية صعبة لاتكون مقبوله قط من جانب الشرع حيث كانت تتعرض عوائلهم الي ضغوط و انزعاجات اضافة الي ما كانوا يعرضون انفسهم إلي هذه الضغوط. فهذا النوع من التصوف يعتبر تصوفاً سلبياً و بالتأكيد لايمكن أن يحمل قيمة. و من جانب آخر احدي عقائد العارفين التي كانت تتعرض إلي النقد الشديد هي فكرة وحدة الوجود التي يحملونها. إن قضية وحدة الوجود يكون لها بحثاً واسعاً جداً و في نهاية التعقيد لايمكن شرحها في هذا المكان الوجيز. لكن هذا الموضوع الذي كان باعتباره معتقد يشعر به الشرك يؤدي إلي مهاجمة العارفين و مع ذلك فأنا أعتقد بأن هذا الفكر كذلك يحتاج إلي التأويل و التفسير لانه كما يقول مولانا (انها مصطلحات من ابدالي) فهذه رموز لايمكن اصدار الحكم علي ظاهرها. لأن هذا المصطلح كما اشير اليه مصطلح رمزي و باطني و قد جاء هذا الشيئ في القرآن الكريم حيث يقول اله عز و جل «اني معكم» فهذا التعبير يكون قريباً نوعاً ما إلي ما يؤمن به العارفون. و في الواقع ان هذه الوحدة في الوجود هي من جملة العوامل التي تحولت في التاريخ الي البقاء في الله. و مهـّدت المجال للتطوع لاستشهادهم. لكن الشيئ المؤسف هو ان الذين كانوا يصدرون احكامهمم طبقاً لظاهر الامور، كان تقبلهم لهذا الكلام امراً صعباً. س: كيف اوجد هذا العرفان الجاف العنيف و ما هي العوامل التي ساعدت علي ظهور مثل هذا النمط من الفكر؟ قبل اجابتي علي هذا السؤال يجب أن اذكر مقدمة حول الفرق الموجود بين الصوفيين و العرفاء. التصوف هو نوع من الحياة العملية التي تنطوي علي نوع من الآداب و التقاليد كالبقاء جلوساً لمدة اربعين يوماً و اسداء الخدمة للمساكين و الضعفاء و ممارسة العبادات الطويلة جداً و ترك الاطعمة الحيوانية و ترك المقامات و حتي اختيار الملبوس الخاص. لكن العرفان يطغي عليه الجانب النظري. لكن يجب أن اضيف هذه النقطة و هي ان هناك علاقة وثيقة جداً بين هذين المفهومين بشكل لايوجد اي صوفي لايكون عارفاً بنوع ما و العكس من ذلك ايضاً يكون صحيحاً. فعلية نجد في التاريخ نحلتين كبيرتين احداهما لها جانب عملي و الاخري لها جانب نظري. و كان تمارس بعض الصوفية تارة اعمالاً ترويضية شاقة و صعبة من اجل الوصول إلي الصديق و كانوا تارة يصرون كثيراً علي ممارسة هذه الاعمال و انهم كانوا يتطبعون علي الاوجاع الجسمية. و كانوا ينسون الالم الداخلي الذي هو اصل الالم. و الكثير منهم كانوا حتي يتركون الادب الشرعي، حيث يعتبر الله عز و جل «الكاد في سبيل عياله كامجاهد في سبيل الله» لكنهم كانوا يتركون عوائلهم و يتوجهون نحو ممارسة الاعمال الترويضية لمدة اربعين يوماً و يمضون اياماً صعبة و في الحيرة في الصحاري، فهذا شيئ غير مقبول بالتأكيد من جانب كل دين و شريعة. و الي جانب هؤلاء الصوفيين لدينا عارفون كالسهروردي و العطار كان لهم المزيد من العرفان و دون ان ينحرّوا الي التصوف كانوا قد اقتربوا الي الصديق الي درجة حيث يتشفّ من كلامهم و اشاراتهم الرمزية وصولهم الي درجات رفيعة و وصولهم الي اعلي درجة من البقاء في الله. الشاعر مولانا يدعو الناس في الكثير من اشعاره الي العرفان البهيج و كما يقول: و (خون ما بر غم حرام و خون غم بر ما حلال) «دماؤنا حرام علي الحزن و دماء الحزن علينا حلال» و هناك الكثير من الابيات الاخري التي يحصل منها هذا المفهوم. و مع ذلك كما اشرت لقد بلغ هؤلاء العارفين اعلي المدارج العرفانية. و كانوا دائماً متطوعين للشهادة. لكن الكثير منهم ممن كانوا يوقعون انفسهم في المصاعب كانوا ينشدون الشهرة. و لم يحرزوا عملياً التوفيق في اجتياز المدارج العرفانية. و لكن في مجال جذور هذا النوع من الرواية العرفانية كما اشرت ينبغي ان نولي كذلك اهتماماً بالتراث الثقافي البشري و الذي يعود الي ما قبل الدين الاسلامي. و كمثال علي ذلك كان في ايران القديمة ماني الذي كان عارفاً بشكل ما و الذي كان يروج الافكار النظرية و العملية و كان تصوفه غير مهتم بالحياة المادية و كان اتباعه ممنوعين من اكل اللحوم و الزواج. فهذه الافكار بلغت بعد مدة طويلة الي الهندوس و مازالت هذه الافكار باقية في بعض طوائفهم. الافكار التي نعتبرها تصوفاً سلبياً. كآخر سؤال ارجو ان تتحدثوا عن هذا الموضوع و لماذا البعض من الاشخاص يعطون اجابة ايجابية للاشارات و الفيوضات الالهية و يضحون في طريق الصديق و يضحون بارواحهم في سبيل المعشوق، في حين أن الكثير لا يستطيعون حتي أن يخطو الخطوة الاولي في هذا السبيل؟ ج: هذا الشيئ يعود الي المواهب الموجودة في كل فرد من جانب و من جانب آخر يعود الي الظروف البيئية. و الشيئ الأكيد هو من اجل الدخول الي مرحلة السير و السلوك يجب التحلي الصفاء الباطني و الذي يتم ايجاد هذا الموضوع في الدرجة الاولي من خلال المراظبات الشخصية. و من جملتها ان ينوي الفرد الكسب الحلال و لا يأكل لقمة الحرام و الآلاف من اعمال الاخري التي توجـّه هذا المعني للصفاء الداخلي. ان الذين بلغوا هذا المرحلة و تظهر لهم الاحداث التاريخية المهمة كحادثة كربلاء و مفهوم الآيات القرآنية و الاحداث الاخري بمعني آخر و اوسع من الحد المعمول و الظاهر لها و تارة بسماع حديث واحد و مشاهدة من الاحداث تتحول حياتهم و يمكن ملاحظة نماذج هذه الحالات من الوعي في الكثير من الكتب العرفانية. فالشيخ الاجّل مصلح الدين سعدي يشير في حكاية الي هذا الصفاء الباطني. فيقول: «في جامع بعلبك عندما كنت القي كلمة بطريق الوعظ مع جماعة ممن حلت بهم الكآبة و الميتة قلوبهم و لم يتوجهوا من عالم الصورة الي عالم المعني. وجدت كلامي غير مسموع و لا تؤثر ناري في حطبهم الاخضر فتأسفت علي التوجه نحو تربية المواشي و وضع المرايا في محلة العميان. لكن باب المعني كانت مفتوحة و سلسلة الحديث طويلة ففي معني هذه الآية الكريمة القائلة: انا اقرب اليكم من حبل الوريد...» مرّ مارُ الي جانب المجلس و قد اثر فيه الدور الاخير و صاح صيحة عالية...» فهذه الحكاية تعكس بشكل جيد العالم الظاهر و العالم الباطن و الصفاء الداخلي. و العشق الحقيقي يبدأ اصلاً من هذه المرحلة و تصل الامور الي مكان يصبح العالم فيها داعياً الي الشهادة، فهذه الحالات من التطوع للشهادة تكون كثيرة في التاريخ.
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
الاكثر قراءة