احدث خبر:
رمز الخبر : ۳۸۵۶۶۷
۱۳:۲۷

۱۸/محرم/۱۴۴۸

جرحٌ لا يندمل بعد عقود: إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية… وثيقة الجريمة الأمريكية في سماء الخليج الفارسي

جرحٌ لا يندمل بعد عقود: إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية… وثيقة الجريمة الأمريكية في سماء الخليج الفارسي
يعد يوم الثالث من يوليو/ تموز 1988 أحد أحلك الأيام في تاريخ الطيران المدني. فقد استهدف صاروخان أطلقهما البارج الأمريكي “فينسينز” (USS Vincennes) طائرة الخطوط الجوية الإيرانية (إيران إير) الرحلة رقم 655 فوق مياه الخليج الفارسي، مما وضع نهاية مأساوية لرحلة ركابها.


 

 

ووفقاً لموقع “نويد شاهد” الإخباري، فإن الطبيعة الإجرامية للولايات المتحدة باتت واضحة للشعب الإيراني منذ زمن بعيد؛ فهذه الجرائم لا تقتصر على الحربين الأخيرتين فحسب، بل لوحظت على مدار العقود الماضية. ومن بين تلك الجرائم، تلك التي وقعت في 12 تير (3 يوليو) 1367، والتي صبغت سماء الخليج الفارسي بالدماء.

كانت الطائرة المدنية التابعة للرحلة 655، المتجهة من بندر عباس إلى دبي، هدفاً لصاروخان من البارج الأمريكي “فينسينز”، مما أدى إلى مقتل جميع الركاب والطاقم البالغ عددهم 290 شخصاً. وقع هذا الحادث في الأشهر الأخيرة من الحرب الإيرانية العراقية وفي ذروة التوترات العسكرية في منطقة الخليج الفارسي، ويظل أحد أهم الملفات القانونية والسياسية المتعلقة بالحرب ذات السنوات الثماني.

حربٌ تجاوزت الحدود

اندلعت الحرب الإيرانية العراقية في 22 سبتمبر/ أيلول 1980 بهجوم واسع من قبل الجيش العراقي. وشرعت الحكومة العراقية، بهدف احتلال أجزاء من الأراضي الإيرانية وتغيير ميزان القوى في المنطقة وترسيخ مكانتها في العالم العربي، في عملية عسكرية واسعة ضد إيران. وفي المقابل، قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بعد تنظيم قواتها، بالسيطرة التدريجية على زمام المبادرة في العديد من الجبهات.

ومع استمرار الحرب وإخفاق العراق في تحقيق أهدافه الأولية، اتسع نطاق الصراع ليتجاوز الحدود البرية. وكانت منطقة الخليج الفارسي من أهم ساحات المواجهة، كونها الممر الرئيسي لمعظم صادرات النفط في المنطقة، حيث كان لأي حالة من عدم الاستقرار فيها تداعيات اقتصادية وسياسية هائلة.

عندما أصبح النفط ساحة للمعركة

منذ عام 1984، بدأت مرحلة من الحرب عُرفت لاحقاً باسم “حرب الناقلات”. فقد حاول العراق من خلال مهاجمة ناقلات النفط والمنشآت النفطية الإيرانية تعطيل صادرات النفط الإيرانية وزيادة الضغوط الاقتصادية على طهران.

وعقب عملية “كربلاء 5”، دخلت هذه المواجهات مرحلة أكثر حدة. وردت إيران في إطار سياسة المعاملة بالمثل، عبر تقييد مرور ناقلات النفط المرتبطة بالعراق في الخليج الفارسي. وكان للقوارب السريعة التابعة للحرس الثوري حضور فعال في مضيق هرمز، لمراقبة حركة السفن المرتبطة بالعراق.

أدى تصاعد التوترات إلى توسيع الولايات المتحدة لتواجدها العسكري في المنطقة، حيث دخلت البوارج الأمريكية إلى الخليج الفارسي تحت ذريعة حماية ناقلات نفط حلفاء واشنطن، وهو التواجد الذي حول الولايات المتحدة تدريجياً إلى طرف مباشر في الحرب.

الـ “فينسينز”… أكثر البوارج تطوراً تدخل الخليج الفارسي

في يونيو/ حزيران 1988، دخل البارج الصاروخي “فينسينز” بقيادة الأدميرال ويليام روجرز إلى الخليج الفارسي. كان هذا البارج مجهزاً بنظام الرادار المتطور “إيجيس” (Aegis)، وهو نظام قادر على تتبع عشرات الأهداف الجوية والبحرية في آن واحد، ويُعد من أحدث المعدات العسكرية الأمريكية.

وبناءً على المعلومات المنشورة، كان هذا النظام قادراً على تحديد نوع المسار، والسرعة، والارتفاع للأهداف بدقة عالية. وقد أصبح هذا الأمر لاحقاً محوراً أساسياً للتساؤلات حول سبب إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية، حيث يعتقد العديد من الخبراء العسكريين أن التمييز بين طائرة “إيرباص” ركاب وطائرة مقاتلة من طراز “إف-14” لم يكن ليصعب على مثل هذا النظام.

وفي صباح الثالث من يوليو/ تموز 1367، وصلت الرحلة 655 التابعة لشركة الطيران الإيرانية إلى بندر عباس وفقاً للجدول المحدد. وبعد توقف قصير لتبديل الركاب والتزود بالوقود، غادرت الطائرة مطار بندر عباس متجهة إلى دبي بقيادة الكابتن محسن رضائيان، الذي كان يمتلك آلاف الساعات من الخبرة في الطيران.

كانت الطائرة في مسار الصعود ضمن الممر الدولي المحدد، ووفقاً للمعلومات المسجلة، كانت قد حصلت على إذن من برج المراقبة لمواصلة الصعود. كان على متن هذه الرحلة 290 شخصاً من طاقم وركاب، بينهم نساء ورجال وأطفال وجنسيات مختلفة، لم يتخيل أي منهم أن هذه الرحلة القصيرة لن تصل إلى نهايتها أبداً.

أربع دقائق أدت إلى كارثة

بعد لحظات من إقلاع الطائرة، رصد رادار البارج “فينسينز” هدفاً في السماء. وفي غرفة القيادة، أُرسلت تحذيرات عبر الترددات العسكرية، في حين أن الطائرة المدنية كانت تستخدم الترددات المدنية أساساً ولم يكن بإمكانها استقبال هذه الرسائل.

وبالرجوع إلى سجل الرموز لتحديد هوية الطائرة المجهولة، وبناءً على ارتفاع 11 ألف قدم، اعتقد المسؤول أن هذه الطائرة هي مقاتلة “إف-14 تامكت” قوية، وأبلغ زملائه في غرفة القيادة بذلك وسط حالة من الحماس، حيث اعتقد الجميع أن إحدى الطائرات التي اشتراها الشاه السابق من أمريكا تهاجمهم الآن. رغم وجود عدة أسباب تدحض هذا الاحتمال:

  1. كان الكابتن روجرز يعلم أن طائرة “إف-14” لا تملك القدرة على حمل صواريخ “جو-بحر”.
  2. تظهر رادارات المعلومات الاتجاه والمدى والارتفاع والسرعة، وبما أن الارتفاع كان يزداد في كل لحظة، فقد انتفى احتمال الهجوم الانتحاري.
  3. الفرق في الأبعاد بين “إف-14” و"إيرباص" واضح في الرادار؛ فطول “إف-14” حوالي 82 قدماً، بينما طول “إيرباص” 177 قدماً.
  4. بعد إطباق الرادار على الهدف (ON LOCK)، فإن الانعكاس الصوتي للأمواج يحدد نوع الطائرة، ويمكن لمشغل الرادار التمييز بدقة بين الطائرة المروحية، والطائرة ذات المراوح، والصاروخ، وطائرة الركاب، والطائرة النفاثة المقاتلة.

تساءل بعض المسؤولين الأمريكيين من ذوي الخبرة الصناعية والعسكرية: “كيف يمكن اعتبار طائرة إف-14 خطراً على البارج فينسينز؟ فهي مقاتلة جو-جو ذات قدرات محدودة في الهجوم على الأرض!”. والسؤال الآخر: “كيف فشل أحدث نظام راداري في العالم في التمييز بين الإيرباص والإف-14؟”.

صاروخان ونهاية رحلة

في الساعة 10:24 صباحاً، أطلق البارج “فينسينز” صاروخان من نوع “سطح-جو” باتجاه الرحلة 655. أصابت الصواريخ طائرة الإيرباص، مما أدى إلى تحطمها فوق مياه الخليج الفارسي، وسقط حطامها قرب جزيرة هنجام.

لقي جميع الركاب والطاقم البالغ عددهم 290 شخصاً حتفهم. وكان من بين الضحايا 66 طفلاً وعشرات النساء ورعايا دول مختلفة. وتعد هذه الحادثة واحدة من أكثر الهجمات دموية ضد طائرة ركاب في تاريخ الطيران المدني.

لقد تلونت مياه الخليج الفارسي بالدماء، وتناثرت الجثث المشوهة والملابس والملابس المتروكة والأحذية وسط الأمواج. كانت مشاهد ظهور الجثث واحدة تلو الأخرى تزلزل القلوب: جسد طفلة في السابعة أو الثامنة، وجسد رجل مسن بريء، وفي النهاية رضيع يبلغ من العمر ثمانية أشهر… مشهد لم يكن مجرد كارثة إنسانية، بل وثيقة واضحة على جريمة صريحة.

الرواية الأمريكية والتساؤلات المتبقية

بعد الحادث، زعم المسؤولون الأمريكيون أن طاقم البارج “فينسينز” أخطأ في تحديد هوية الطائرة واعتقد أنها مقاتلة “إف-14”، ووصفوا الإجراء بأنه “دفاع عن النفس”. ومع ذلك، أثارت التقارير اللاحقة تساؤلات عديدة، منها أن الطائرة كانت تسير في مسار دولي، وأن ارتفاعها كان في زيادة، وأن أنظمة البارج المتطورة كانت قادرة على التحديد الدقيق للأهداف. كما أشارت تقارير إلى أن موقع البارج وقت الحادث كان في المياه الإقليمية الإيرانية، وهو ما يتناقض مع الرواية الأمريكية الأولى.

رد الفعل الإيراني: الملاحقة القانونية والسياسية

اعتبرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية هذا العمل انتهاكاً صارخاً للقوانين الدولية وتابعت القضية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وحمل الإمام الخميني (ره)، قائد الثورة الذي كان يشغل منصب رئيس الجمهورية آنذاك، الرئيس الأمريكي المسؤول عن هذه المذبحة الوحشية، واصفاً إياها بأنها أكبر جريمة حرب في العصر الحديث، ومؤكداً حق الشعب الإيراني في الانتقام. وصرح الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني، نائب القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، بأن هذه الجريمة الأمريكية لن تمر دون رد. كما طالب علي أكبر ولايتي، وزير الخارجية آنذاك، الأمين العام للأمم المتحدة بإدانة صريحة مرتكبي هذه الفاجعة.

الميدالية التي أثارت الجدل

من الأمور التي لا تزال تثير الجدل هي منح ميدالية “لواء الاستحقاق” للقائد ويليام روجرز، قائد البارج “فينسينز”، في سنوات لاحقة، وهو ما اعتبره المنتقدون دليلاً على دعم الحكومة الأمريكية لأفعال قائد البارج.

قضية لم تُغلق

لم تكن حادثة الرحلة 655 مجرد حدث عسكري، بل تحولت إلى واحدة من أهم القضايا في القانون الدولي المتعلق بأمن الطيران. رفعت إيران شكوى أمام محكمة العدل الدولية، وانتهت القضية في النهاية بتسوية دفع بموجبها الأمريكي تعويضات لأسر الضحايا دون قبول المسؤولية القانونية. ومع ذلك، ظل الخلاف قائماً؛ إذ تعتبر إيران هذا الفعل انتهاكاً للقانون الدولي، بينما تصر أمريكا على رواية “الخطأ في التحديد”.

العالم يلعن أمريكا

اعترف “ويل روجرز”، القائد الذي أمر بالهجوم، بأن إسقاط الطائرة الإيرانية أصبح وصمة عار في سجله، قائلاً في مقابلة: “لقد فخرت بالحصول على أوسمة لخدماتي، لكن إسقاط طائرة الإيرباص في الخليج الفارسي هو وصمة عار لن تُمحى أبداً”.

لقد حطمت أبعاد هذه الواقعة ادعاءات أمريكا بحقوق الإنسان، حتى أن العديد من المشاركين في الهجوم عانوا من ضغوط نفسية شديدة وانتحر بعضهم. وكتبت صحيفة “هولي غازيت” في إسطنبول: “العالم يلعن أمريكا”. ووصفت صحيفة “تايمز” الأيرلندية الهجوم بأنه جريمة ضد الإنسانية، بينما ذكرت صحيفة “كوريري ديلا سيرا” الإيطالية أن جثث الركاب الأبرياء تركت صورة قبيحة لأمريكا يصعب تعويضها.

جرحٌ لا يندمل بعد عقود

رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود، لا تزال هذه الحادثة واحدة من أكثر الأحداث مأساوية في تاريخ الحرب الإيرانية العراقية ورمزاً لتوسع الحرب لتشمل المدنيين. ويُحيي الإيرانيون ذكرى الضحايا الـ 290 كل عام في الثالث من يوليو؛ تلك الرحلة التي لم تكتمل إلا لتصبح واحدة من أكثر الأحداث بقاءً في التاريخ المعاصر لإيران.

المصدر:

“أطلق النار وانسَ” / خديجة أميرخاني / منشورات مركز وثائق الثورة الإسلامية


تقرير الخطأ

إرسال تعليق
تصميم الموقع:"إيران سامانة"