رمز الخبر: 385170
تأريخ النشر: 02 February 2020 - 00:44
يتطرّق اللواء قاسم سليماني في أوّل لقاء صحفيّ بعد مرور ٢٠ عاماً إلى شرح تفاصيل تُذكر للمرّة الأولى حول حرب تموز حيث يعدّد أسباب انتصار حزب الله أمام الكيان الصهيوني ويذكر خاطرة حول النهاية الإعجازيّة لهذه المواجهة يروي فيها لقاء بولتون بوزير خارجيّة قطر حينها؛ ويقول الإسرائيليّون خلال اللقاء أنّ الجيش الإسرائيلي سوف يتلاشى في حال عدم إنهاء الحرب.
نوید شاهد: كما ترد في اللقاء الذي أجراه مكتب حفظ ونشر آثار قائد الثورة الإسلاميّة مع قائد قوّة القدس قصّة تُنشر للمرّة الأولى حول الجلسة السريّة التي انعقدت بين مسؤولي الجمهوريّة الإسلاميّة والإمام الخامنئي في الأسبوع الأوّل لحرب تمّوز يذكر فيها الحاج قاسم خاطرة حول التقرير الذي قدّمه للإمام الخامنئي وردّة فعل سماحته وتعليقه على هذا التقرير.

نودّ أن نبدأ حوارنا بتحليل الأسباب التمهيديّة لوقوع حرب الثلاث وثلاثين يوماً. وقعت هذه الحرب بعد مرور ٥ أعوام على التواجد العسكري لأمريكا في المنطقة وقيام هذا البلد باحتلال العراق وأفغانستان ومواجهة أمريكا خيبات عديدة في العراق وهذا ما جعل تنفيذ وتحقيق مخطّط أمريكا بشأن الشرق الأوسط الجديد يواجه مشاكل عديدة. لكنّنا رأينا فجأة أن ميدان الصّراع تغيّر فجأة وتمّ اختيار لبنان كساحة لتنفيذ هذا المخطط واندلعت حرب الثلاث وثلاثين يوماً. ما هو سبب وقوع هذا الأمر؟

بسم الله الرحمن الرحيم، أعزّيكم بمناسبة أيام عزاء سيد الشهداء الحسين بن علي عليه الصلاة والسلام. كانت هناك في قضية حرب الـ 33 يوماً عوامل خفية وهي العوامل والأسباب الحقيقية للحرب. كان هناك سبب ظاهري وواضح لكنه كان ذريعة لأهداف خافية أراد الكيان الصهيوني تمريرها والوصول إليها خلال فترة معينة. طبعاً حين أقول كانت هناك أسباب وعوامل خفية فقد كانت لنا معلومات حول استعدادات الكيان الصهيوني، لكننا لم تكن لدينا معلومات حول أن العدو يريد شن هجوم مباغت. وبعد ذلك توصلنا من موقفين أو قضيتين إلى هذه النتيجة وهي أنه كان المقرر قبل بدء هذه الحرب أن تُشنّ بسرعة وبشكل مباغت، وكان يفترض القضاء على حزب الله في هذا الهجوم المباغت. وقد وقعت هذه الحرب في ظروف وقع فيها حدثان مهمان أحدهما يتعلق بالمنطقة كلها والثاني يتعلق بالكيان الصهيوني على وجه الخصوص. في خصوص المنطقة كانت أمريكا قد حشدت قواتها بشكل كبير جداً في المنطقة نتيجة لحادثة الحادي عشر من سبتمبر، وما يشبه هذا التحشيد يمكن أن نراه في الحرب العالمية الثانية، طبعاً من الناحية الكمية فقط وإلا فمن الناحية النوعية لم يكن لهذا التحشيد نظير حتى في الحرب العالمية الثانية.

في سنة 1991 ونتيجة هجوم صدام على الكويت قامت أمريكا بهجومها، وكان لهزيمة صدام ترسباته التسليحية في منطقتنا والذي أدّى إلى تكريس القوات الأمريكية. لكن بعد الحادي عشر من أيلول بسبب الهجومين الكبيرين لأمريكا دخل ما يقارب أربعون بالمائة من القوات المسلحة الأمريكية إلى منطقتنا بشكل مباشر، وبعد ذلك على امتداد الزمن وبسبب التغييرات التي حصلت وصل الأمر حتى إلى القوات الاحتياطية والحرس الوطني. أي يمكن القول على وجه التقريب أن ستين بالمائة من الجيش الأمريكي سواء القوات الداخلية أو القوات الخارجية دخلت إلى منطقتنا. وإذن، فقد حصل تواجد عسكري ضخم جداً من الناحية الكمية حيث كان لهم في العراق فقط 150 ألف جندي وما يزيد على ثلاثين ألف جندي أمريكي في أفغانستان، هذا ما عدا قوات التحالف التي كان عديدها في أفغانستان حوإلى 15000 مقاتل.
إذن كانت هناك قوات من مائتي ألف مقاتل متخصص ومدرب في منطقتنا إلى جوار فلسطين؛ وهذا التواجد يوفر بطبيعة الحال فرصاً مناسبة للكيان الصهيوني. فالتواجد الأمريكي في العراق كان يمنع تحرك السوريين في سوريا وكان تهديداً ضد الحكومة السورية ويعد أيضاً تهديداً ضد إيران. وعليه، لو نظرتم لجغرافيا العراق في حرب 2006 أي حرب الـ 33 يوماً لوجدتم أن أمريكا أوجدت حاجزاً من 200 ألف مقاتل بين البلدين الأساسيين في محور المقاومة، وبمعونة مئات الطائرات والمروحيات مضافاً إلى آلاف الأجهزة المدرعة. ومن الطبيعي أن يمنح هذا الواقع فرصة للكيان الصهيوني ليستفيد من هذه الظروف ويقوم بعمل ما، بمعنى أن هذا التواجد والهيمنة يفترض أن يكون له تأثيره في إخافة إيران وفي إخافة وشلّ سورية بحيث ينبغي أن لا يستطيع هذان النظامان القيام بشيء. تحرّك الكيان الصهيوني على أساس هذا التصور خصوصاً أن الحكومة الأمريكية آنذاك هي حكومة بوش الإبن وهي حكومة متشددة حادّة المزاج وسريعة في اتخاذ القرارات، لا سيما الفريق الذي كان يحكم في البيت الأبيض وهو صديق للكيان الصهيوني. وعليه، وجدوا الفرصة مناسبة للمبادرة إلى مثل هذا الفعل.
إذن، الجذر الأصلي للقضية هو انتهاز الكيان الصهيوني للتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، وانتهاز فرصة سقوط صدام والانتصار الأمريكي الأوّلي في أفغانستان، وأجواء الرعب الثقيلة التي خلقتها أمريكا في المنطقة حيث اتهمت عدداً كبيراً من الجماعات السياسية في المنطقة والعالم بأنهم جماعات إرهابية فيما إذا عارضوا سياساتها. أراد الكيان الصهيوني انتهاز هذه الفرصة، واعتقد أن هذه خير فرصة لحرب خاطفة، لأنه كان قد انهزم سابقاً في عام 2000 ميلادي، وانسحب من لبنان والواقع أنه هرب من لبنان بعد أن فرض عليه حزب الله الهزيمة. ويريد الآن أن يعود ثانية، لا أن يعود للاحتلال، بل يعود للتدمير والتغيير الديموغرافي في جنوب لبنان. وهذا ما تبيّن لاحقاً في أثناء الحرب ومع انطلاقتها تقريباً. أساس نيتهم كانت التغيير الديموغرافي الكامل بحيث يجري إبعاد القوى الشعبية في جنوب لبنان ممن لهم علاقاتهم الدينية مع حزب الله من سورية على غرار ما حصل بعد 1967 مع الفلسطينيين في جنوب لبنان، مثل هذا المشروع كانوا يريدونه للشيعة في جنوب لبنان. إنه المشروع السابق الذي مارسوه مع الفلسطينيين بالضبط. فرضوا على الفلسطينيين أن يخرجوا من جنوب لبنان ويعيشوا في مخيمات متعددة في لبنان وسورية وغيرها من بلدان العالم العربي، بل إن عرفات اضطر إلى تغيير مقره من لبنان إلى تونس والمغرب. والواقع أنهم يريدون خلق إدارة مشردين. هذه النية نفسها كانت موجودة بشأن شيعة لبنان. لهذا أعود إلى ما قبل الحرب ليتضح هذا الموضوع بالكامل.
كانت هناك عبارتان مهمتان للأمريكيين والإسرائيليين في هذه القضية. عبّر بوش بألفاظ مبتذلة جداً في بداية الحرب، وكانت مكبّرة الصوت شغالة، ولأن الكلمة التي قالها هي بمستواه لذلك لا يمكنني تكرارها. قال تلك الكلمة في تأييد هذا الأمر ولكن ليس في تأييد الحرب، بل في تأييد نتيجة الحرب. والتعبير الآخر الأكثر أدباً ودبلوماسية قالته رايس عندما بلغت تلك المذابح والتقتيل والصخب في جنوب لبنان ذروتها؛ وكان القصف قد ذروة سكرة التكنولوجيا وكانوا قادرين على قصف وتدمير أي مكان يريدونه بفضل الدقة التكنولوجية. ووقعت مذابح جعلت مجزرة قانا في مطاوي النّسيان. استخدمت تلك العبارة أي إنها شبهت تلك الضجة تشبيهاً سخيفاً وقالت إن هذه هي آلام ولادة الشرق الأوسط الجديد. ضجيج الضحايا تحت الأنقاض والأطفال المظلومين والنساء والأبرياء شبهته بألم وعسر ولادة حدث كبير. إذن، كانت في هذه التعابير دلالة على وجود مشروع كبير. أما فيما يتعلق بالكيان الصهيوني فقد كان أعد مخيماً كبيراً وأعد أيضاً عدداً من السفن. أعد مخيماً ليستوعب أكبر قدر ممكن من الناس؛ كان هناك في البداية مخيم في داخل فلسطين يصل مدى استيعابه إلى سقف ثلاثين ألف إنسان. ينقلهم إليه ثم يفرزون في هذا المخيم بين الناس العاديين فينقلونهم إلى بلدان وأماكن أخرى، وبين الذين يعتبرونهم مجرمين أو مرتبطين بمنظمة حزب الله فيقبضون عليهم. وكانوا قد أعدوا سفناً للتسفير. لذلك كانت الحرب في تلك المرحلة بدقة تكنولوجية عالية خلافاً لكل الحروب التي تحرق الأخضر واليابس. أي إنهم أرادوا مهاجمة طائفة بكاملها.
في البداية حاولوا تبديل القضية إلى قضية حزب معين أي حزب الله. ثم وسعوا الأمر إلى كل الطائفة الشيعية في جنوب لبنان ليستطيعوا تنفيذ هذا التغيير الديموغرافي بالكامل في الجنوب. هذا ما يمكن فهمه عن جذور الحرب في بعدها الخفي وهو ما اعترفوا به لاحقاً حيث اعترفوا بأنهم كانوا يعتزمون، أي إن أولمرت قال ومن بعده وزير دفاعه ورئيس أركان الجيش قالوا كنا نعتزم القيام بهذه الحرب بشكل مفاجئ، ولو حصلت تلك المباغتة فكان المفترض أن تتدمر معظم طرق حزب الله بالهجمات الجوية الواسعة. في المرحلة الأولى كان يجب أن تصيب الخسائر والأضرار الفادحة ما لا يقل عن ثلاثين بالمائة من تنظيم حزب الله. وفي مرحلة لاحقة كانوا يريدون تدميره على نحو قاطع. لكن الأساس هو انتهاز التواجد الأمريكي الواسع في العراق وأفغانستان والمنطقة، ورغبة البلدان العربية في دعم إسرائيل في مثل هذه الحرب وموافقتهم على استئصال جذور حزب الله أو الطائفة الشيعية من جنوب لبنان؛ وهذا ما قاله أولمرت. قال في إحدى كلماته إنها المرة الأولى التي تجتمع فيها كل البلدان العربية، طبعاً حين يقول كل فذلك بمعنى الأغلبية من البلدان العربية، والمراد هنا طبعاً بلدان الخليج الفارسي ومجلس التعاون، لكن الأمر يشمل مصر أيضاً بطبيعية الحال ولم تكن البلدان الأخرى مستثناة من هذا الأمر. ولكن كان يمكن القول ببعض الاستثناءات في تلك الفترة، وتعلمون أن العراق كان يفتقر للسيادة، فقد كان الحاكم في العراق آنذاك هو بريمر، الحاكم العسكري الأمريكي، وكانت سيادة العراق بيد الأمريكيّين. وكانت الحكومة السورية دولة فتية شابة بسبب موت حافظ الأسد وقد بدأت العمل تواً. لذلك حين يقولون كل البلدان يقصدون تلك الأغلبية. وهكذا قال إنها المرة الأولى التي تجتمع فيها كل البلدان العربية لتدعم إسرائيل في حربها ضد منظمة عربية. هذا الذي قاله حقيقيّ، وهو تعبير عن واقع مهم وجاد.
إذن ينبغي أن نأخذ بعين الاعتبار ثلاثة أهداف لهذه الحرب. أوّلاً فرصة التواجد الأمريكي وسيادة أمريكا على العراق والرعب والفزع الذي بثه التواجد الأمريكي في المنطقة. ثانياً استعداد البلدان العربية وإعلانها الخفي للتعاون مع الكيان الصهيوني في حربه لاستئصال حزب الله والتغيير الديموغرافي في جنوب لبنان. وثالثاً الأهداف التي سعى إليها الكيان الصهيوني نفسه فيما يخصّ استغلال هذه الفرصة للتخلص من حزب الله إلى الأبد. شكّلت هذه الأهداف الثلاثة الأهداف الخفية التي مثلت أسباب وجذور الحرب.

 

لقد فصّلتم الأسباب الخفيّة لهذه الحرب بشكل جيّد، ماذا كانت ذريعة انطلاق هذه الحرب والأسباب الظاهريّة لها؟
حول الذريعة العلنية كان ظاهر القضية أن حزب الله التزم أمام الشعب اللبناني كسائر التزاماته أمام الشعب اللبناني، ولم تكن هناك قوة غير حزب الله تستطيع تنفيذ هذا الالتزام في تخليص الشباب السجناء اللبنانيين من قبضة الكيان الصهيوني. وقد وعد السيد بهذا في إحدى كلماته بأننا سوف نعمل على تحرير الأسرى اللبنانيين من قبضة الكيان الصهيوني كما حصل في الماضي. لم يكن أمام الشعب اللبناني من أمل وملاذ لتحرير الأسرى سواء كانوا من الدروز أو المسلمين أو المسيحيين سوى حزب الله، لا في الأمس ولا في الحاضر، أي إن حزب الله هو السند الأساسي للشعب اللبناني في أية حادثة وللدفاع عن نفسه أمام الحكومة الإسرائيلية الوحشية. هذا تصريح تم إطلاقه والتصريح به. وفي عمليات تبادل الأسرى السابقة لم تفرج إسرائيل عن بعض الشباب الناشئة الذين طال بهم السجن فأصبحوا الآن كهولاً. وعد حزب الله بذلك ولم يتحقق ذلك في العمليات الأولى لتبادل الأسرى أو إن إسرائيل لم توافق على تحرير هؤلاء الأسرى. لذلك بادر حزب الله إلى العمل لتحقيق هذا الوعد الذي قطعه للشعب اللبناني، حتى يستطيع أن يقوم بتبادل الأسرى نتيجة هذه العمليات، وقد نجح في ذلك بعدها.

لذلك على أساس عمليات خاصة ولا أدري أي اسم أطلق على قائد تلك العمليات الخاصة، هل أقول لواء وهذه الكلمة أصبحت شائعة جداً وقد كان هو فوق هذه الكلمة. في الأعراف العسكرية في بلادنا اليوم شاعت كلمة اللواء والأمير. ولكن الحق أن الشهيد عماد مغنية كان لواءً بالمعنى الحقيقي للكلمة. كان لواءً في ساحة الحرب صفاته أشبه بصفات مالك الأشتر. وقلت عند استشهاده لاحقاً،  وهذا الكلام ليس في مكانه الآن، [عند استشهاده] حصلت نفس الحالات والعبارات التي حصلت لسيدنا أمير المؤمنين عند استشهاد مالك، أي أنّ حالة حزن وهمّ استثنائي استولت على الإمام، حتى أنه بكى فوق المنبر وقال: «مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ، وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ جَبَلاً لَكَانَ فِنْداً وَلَوْ كَانَ حَجَراً لَكَانَ صَلْداً لاَ يَرْتَقِيهِ اَلْحَافِرُ وَلاَ يُوفِي عَلَيْهِ اَلطَّائِرُ» ثم قال هذه العبارة المهمة للغاية وهي أن مالك كان لي كما كنت لرسول الله. وقد كان الحال نفسه بالنسبة لعماد مغنية، أي إن عماد كان بالنسبة للمقاومة بمثل هذه المكانة، وقلت إنني لو أردت أن أتجاوز هذه الأعراف السائدة عندنا فيجب أن أشبهه بمالك في عبارة الإمام أمير المؤمنين عنه. قال فلتلد النساء حتّى يلدن مثل مالك. لقد كان عماد مثل هذه الشخصية. لقد كان يتولّى إدارة هذه العملية كما تولّى إدارة الكثير من المهمات والساحات الصعبة. كانت إدارة هذه العمليات الخاصة على عاتقه وكان يشرف عليها ويديرها عن قرب. وقد نجحت عملياته واستطاع في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أن يهاجم عربة للكيان الصهيوني ويأسر منها شخصين وهما جريحان. لقد كانت هذه ثلاث عمليات ولم تكن عملية واحدة. كانت في الواقع ثلاث عمليات منفصلة خاصة. أولاً كان أساس التخطيط، وثانياً اجتياز أسلاك شائكة مكثفة جداً وعالية وواسعة للكيان الصهيوني والوصول، لأن العمليات لم تكن مجرد ضرب وتدمير، إنما كان ينبغي حصول حالة عبور والذهاب إلى الجانب الآخر والإتيان بأسرى. لذلك ينبغي العمل بكل دقة من أجل عدم مقتل الأشخاص داخل العربة. ثالثاً كان يجب العمل بمنتهى السرعة وخلال دقائق فقط، ولم يكن بالإمكان تطويل الأمر لربع ساعة أو نصف ساعة، بل كان الأمر بالدقائق والثواني. كان ينبغي العبور بسرعة وقبل أن يصل الأعداء. وعادة ما كانت المسافة الفاصلة بين العدو ونقطة العمليات عدة دقائق. هذا عن المسافة البرية أما المسافة الجوية فهي أسرع من هذا بكثير وكان يمكنه الوصول والاستيلاء على الأسرى. والعمليات الثالثة هي الوصول بهم إلى منطقة آمنة بسرعة وفي مأمن من تهديدات العدو، وقد نجح عماد [في ذلك].

 

بدأت الحرب بهذه الذريعة وتمّ شنّ هجمات قاسية على مواقع حزب الله، كيف كانت ردّة فعل حزب الله في لبنان في الساعات والأيام الأولى؟ خاصّة أنّ إسرائيل كانت قد جعلت أسر حزب الله للجنديّين ذريعة لشنّ هذا الهجوم الوحشي، وهذا مما فرض بطبيعة الحال ضغوطاً نفسيّة.
يجب أن نشير إلى نقطتين. بسبب أن حزب الله مشتبك مع عدو لا يمكن التصالح معه، أي إن حزب الله من الناحية العقائديّة والمنطق السياسي لا يمكنه التصالح مع هذا العدو، وذلك العدو أيضاً لا يريد الصلح مع حزب الله، لذلك فهذا العداء بين الجانبين عداء مستمر. وقد كان في ذلك الحين أيضاً عداءً مستمراً. لذا فحزب الله جاهز دائماً وباستمرار من الناحية الدفاعية. هذه نقطة. إذن لم يكن حزب الله فارغ البال وغير جاهز بل كان جاهزاً مستعداً. وهذه الجاهزية لا علاقة لها بتلك العمليات، فهذه العمليات زادت من الجاهزية والاستعداد في أبعاد أخرى، وضاعفت من اليقظة والترقب، لكن الجاهزية كانت موجودة مسبقاً على مستوى القوات المقاتلة والمعدات والإمكانيات. وكذا الحال الآن أيضاً أي إن حزب الله جاهز دائماً بأقصى الدرجات ومائة بالمائة. وليست جاهزيته من قبيل الجاهزيات الأخرى التي يصفونها بأنّها صفراء ثم ترتفع إلى مستوى الاستعداد والجاهزية الحمراء، أو مثلاً الجاهزية بنسبة ثلاثين بالمائة ثم سبعين بالمائة ثم مائة بالمائة، لا، إنما حزب الله جاهز دوماً مائة بالمائة. كان يومذاك في جاهزية مائة بالمائة واليوم أيضاً جاهزيته مائة بالمائة. بيد أن نوعية هذه الجاهزية تختلف من فترة إلى أخرى بسبب الإمكانيات والقدرات.
النقطة الثانية هي أن أية خطوة يريد حزب الله اتخاذها يتخذ لها تمهيدات أمنية مسبقة. لذلك عندما قرر حزب الله تنفيذ العمليات للقبض على الجنديين الصهيونيين من أجل ذلك التبادل المهم والمصيري فقد عمد أولاً إلى إيجاد جاهزية واستعداد ذاتي. وقد كان لهذه الجاهزية وضعان اثنان. الأول الجاهزية في المواجهة، والثاني الجاهزية في تقليل الخسائر. ولهذا طوال الفترة التي قام بها الكيان الصهيوني بهجماته وخصوصاً في الساعات الأولى واليوم الأول والأيام الأولى وكان له طبعاً بنك معلوماته المسبق وقدم كل معلوماته لقوته الجوية فقصفت على أساس هذه المعلومات التي تحتوي على إحداثيات دقيقة عن مواقع حزب الله، ولكن بسبب التدابير المسبقة التي اتخذها حزب الله نجد أنه تلقّى أقل ما يمكن من الخسائر سواء في الأفراد أو في المعدات والتجهيزات، بل ويمكن القول إنه لم يتضرر أبداً في اللحظات الأولى. وبعد عشرة أيام أعلن الكيان وفقاً لبنك معلوماته أنه توصل إلى جميع أهدافه، أي أنه دمر كل الأهداف الموجودة لحزب الله حسب بنك معلوماته، ولكن تبين لاحقاً أن كل ما قام به كان بخلاف المتوقع والمأمول، وذلك بسبب الخطوات والابتكارات التي قام بها حزب الله قبل البدء بعملياته متحسباً لردود أفعال العدو.
هذه إذن النقطة الأولى أما النقطة الثانية هي أنه في التخمينات المسبقة للحرب وتقدير ردود أفعال الطرف المقابل غالباً ما لا تؤدي هذه العمليات وردود الأفعال حيالها إلى حرب شاملة كبيرة. ستكون هناك ردود فعل ليوم واحد فيهاجم الكيان مناطق ونقاطاً معينة بشدة ثم يوقف الهجوم. ولكن في هذه المرة بدأ الكيان بتنفيذ كامل لعملياته التي خطط لها مسبقاً. أي أنّ الكيان بدأ بتنفيذ ذلك المشروع الذي خطط له في السر. طبعاً نحن الآن نقول إنه مخطط سري وسوف أقول لاحقاً في الإيضاحات إننا توصلنا بعد أسبوعين تقريباً إلى هذه النتيجة على شكل عقيدة، وسوف أقول لماذا توصلنا لهذه النتيجة من خلال العقيدة وليس من ناحية معلوماتية واستخبارية. في أواخر الحرب تقريباً توصلنا إلى أن العدو كان له مخططه المسبق وأراد أن يعمل بطريقة مباغتة تماماً. وقد كان جزء كبير من فهمنا هذا عائد إلى ما أعلنه العدو نفسه. وعليه فقد تحولت العمليات بأسرع ما يمكن إلى حرب شاملة كأنها مخزن عتاد ومتفجرات كبير تفجر بصاعق واحد. وكأن ذلك المخطط والمشروع دخل حيز التنفيذ دفعة واحدة وحصل هذا الانفجار الكبير الذي نسميه حرب الـ 33 يوماً.

 

أين كنت جنابك خلال أيّام الحرب؟
في اليوم الأول لوقوع الحادث عدت إلى لبنان، لأنني كنت هناك قبل يوم من ذلك. وعدت إلى سورية، ولكن لأن كل الطرق كانت عرضة للقصف والهجمات وخصوصاً الطريق الوحيد الرسمي للدخول والذى يسمّى المصنع وهو المعبر الحدودي بين لبنان وسورية حيث كان عرضة لقصف مستمر من قبل الطائرات ولم تكن الطائرات لتتركه آمناً حتى للحظة واحدة. كان لنا اتصالنا بالأصدقاء عن طريق خط آمن، وجاء عماد إليّ وأخذني من سورية إلى لبنان عن طريق آخر جزء منها يجب أن نمشيه على الأقدام وجزء آخر منه بالسيارة. كان التركيز في الحرب خلال تلك الأيام لا يزال على البنايات الإدارية لحزب الله وفي منطقة الجنوب غالباً وأحياناً في مناطق في الوسط والشمال. كان الأسبوع الأول على وشك الانقضاء وأصروا من طهران على أن أحضر لتقديم إيضاحات حول الوضع، فعدت عبر طريق فرعي. وكان سماحة السيد القائد آنذاك في مشهد، فذهبت للقائه في الاجتماع الذي حضره رؤساء السلطات الثلاث والمسؤولين الأساسيّين الأعضاء في مجلس الأمن القومي المختصين غالباً في الجوانب الأمنية والمعلوماتية.
 
قدمت تقريراً عن الأوضاع، وكان تقريراً مراً سلبياً. أي إن مشاهداتي لم يكن فيها أفق للانتصار. وكانت الحرب حرباً مختلفة تماماً. كانت حرباً تقنية دقيقة بشدة. البنايات ذات الإثني عشر طابقاً كانت تسوّى بالأرض بقنبلة واحدة، وكان يجري اختيار الأهداف بدقة. في داخل القرى والمسافات الفاصلة بين القرى قليلة جداً والقرى ملتصقة بعضها ببعض والتمييز بينها صعب على المدفعية، ومع ذلك كان يجري التمييز بين قرية وقرية. كانت الحرب آنذاك قد انتقلت من استهداف حزب الله إلى استهداف طائفة برمّتها. وكانت هناك قرى شيعية وقرى مسيحية بجوارها وقرى سنية بجوارها، وكان الأمر مختلفاً تماماً بالنسبة لهذه القرى. ففي مكان ما كان الرجل يجلس مرتاح البال يدخن النرجيلة وفي مكان آخر كانت تمطر عليهم آلاف الحمم والرصاص. قدمت تقريري في ذلك الاجتماع وحان وقت الصلاة فقاموا إلى الوضوء، وقمت أنا أيضاً لأتوضأ، وتوضأ السيد القائد. شمّر عن ساعديه وتوضأ وعاد وأشار لي بيده أن تعال. ذهبت إليه. سألني هل أردت أن تقول لي شيئاً في تقريرك هذا؟ فقلت له: لا، أردت فقط إيضاح الواقع. فقال السيد: فهمت هذا، ولكن ألم ترد قول شيء آخر؟ فأجبته: لا. صلينا وعدنا للاجتماع، وانتهى تقريري. وبدأ السيد القائد بالحديث، فذكر عدة نقاط وقال إن النقاط التي أشار لها فلان حول الحرب صحيحة. فهذه الحرب حرب صعبة وشديدة جداً. لكنني أتصور أن هذه الحرب تشبه حرب الخندق. وقرأ السيد آيات حرب الأحزاب أو حرب الخندق وكلاهما حرب واحدة، ووصف حالة المسلمين وأصحاب الرسول والوضع الذي استولى على صفوفهم. ثم قال لكنني أتصور أن الانتصار في هذه الحرب سيكون مثل الانتصار في معركة الخندق. اهتز قلبي لهذا القول، لأنني لم أكن أتصور أبداً مثل هذا الشيء من الناحية العسكرية. تمنيت في قرارة نفسي أنه ليت السيد القائد لم يقل هذا، وهو أن النتيجة ستكون انتصاراً على غرار انتصار الرسول الكبير في معركة الأحزاب.

بعد ذلك أشار إلى نقطتين مهمتين للغاية. أولاً قال، وأنا تصوري وعقيدتي التي أقولها للأصدقاء دائماً في ضوء تجربتي طوال عشرين عاماً مع السيد القائد أن نتيجة وثمرة التقوى هي الحكمة التي تجري على لسانه وقلبه وعقله، وهذا ما شاهدته تماماً لدى السيد القائد، تماماً. لذلك فأي شيء يشكك فيه الآن أكون أنا واثقاً أن نهاية ذلك الشيء سيكون ملتبساً غير قويم، وأي شيء يتيقن منه أكون أنا مطمئناً من أنه سيكون مفيداً وإيجابياً. قال السيد القائد إنني أتصور أن إسرائيل أعدّت هذا المخطط مسبقاً وكانت تريد تنفيذه بشكل مفاجئ ومباغت وتريد مباغتة حزب الله. لكن عملية حزب الله في القبض على الأسيرين أفسدت على إسرائيل مباغتتها. لم تكن لدي هذه المعلومات، ولم تكن هذه المعلومات متوفرة للسيد نصر الله أيضاً. أي منا لم تكن لديه مثل هذه المعلومات بمن في ذلك عماد مغنية. لم تكن لدى أي واحد منا هذه المعلومات والمعطيات. حسناً، كانوا على الحدود ويرون. لقد كانت هذه بشرى سارة جداً بالنسبة لي لأنها سوف تساعد السيد نصر الله كثيراً وتريحه. ولم يكن الأمر بهذه الشدة في بداية الأمر واشتد في النهاية حيث ازداد عدد الشهداء وحجم الدمار والخسائر. وصرّح السيد نصر الله بعبارات أثرت في كثيراً. ولا أريد تكرار تلك العبارات. وجدت أن تلك العبارات جيدة جداً بالنسبة له. وقد يشمت أحد فيقول لماذا عرّض حزب الله الشيعة كلهم للخطر من أجل القبض على أسيرين. ولكن أن يكون حزب الله قد أنقذ نفسه والشعب اللبناني من الدمار الكامل بالقبض على الأسيرين فهذه بشارة كبيرة ومهمة. ونقطة أخرى قالها السيد القائد كان لها طابع معنوي روحي. قال قولوا لهم أن يقرأوا دعاء الجوشن الصغير. والمعروف لدى الشيعة هو دعاء الجوشن الكبير. أما دعاء الجوشن الصغير فليس معروفاً كثيراً بين عامة الشيعة على الأقل، وقد يختلف الأمر بالنسبة للخواص. ثم أوضح السيد القائد بأنه يجب أن لا نتعجب من هذه التوصية بقراءة دعاء الجوشن الصغير، كما يتعجب البعض حين يقال له إقرأ سورة الإخلاص أربع مرات أو سورة الفاتحة. أوضح السيد القائد أن دعاء الجوشن الصغير هذا يمثل حالة الإنسان المضطر، الإنسان الواقع في حالة اضطرار شديد ويريد التكلم مع الله، هذه حالة إنسان مضطر. في اليوم نفسه عدت إلى طهران مساء وعدت ثانية إلى سورية.
 
جئت وعدت من هناك فوراً إلى سورية، لكنني كنت أحمل شعوراً طيباً جداً، أي إنني كنت أحمل شيئاً ربما كان أثمن من أي شيء آخر بالنسبة للسيد نصر الله. وجاء عماد مرة أخرى وعدنا في ذلك الطريق، وذهبت إلى السيد نصر الله ورويت له الأمر، وربما لم يكن أي شيء آخر مؤثراً في معنويات السيد نصر الله مثل تلك الكلمات. أولاً لديه خصوصية لم يصل أي واحد منا إليها بنفس تلك الدرجة، بل أظن أننا يجب أن نذهب ونتعلم دروس الولاية منه. لديه إيمان وعقيدة راسخة بكلمات سماحة السيد القائد، ويعتبرها كلمات إلهية غيبية. لذلك يهتم اهتماماً شديداً بأية كلمة أو عبارة تصدر عن سماحة السيد القائد، ويعتني بها عناية كبيرة. أوضحت له الأمر ففرح كثيراً. في البداية ذاع بين كل المجاهدين بسرعة قول السيد القائد بأن الانتصار في هذه الحرب سيكون مثل الانتصار في معركة الخندق أي أن فيها شدائد وصعوبات كثيرة لكنها ستنتهي بنصر كبير، انتشر هذا الرأي والبشارة بين المجاهدين انطلاقاً من الذين كانوا في نقاط التماس المتقدمة أمام العدو وصولاً إلى سائر صفوف المجاهدين. ثانياً أضحى التحليل القائل بأن العدو أعد مشروعاً مسبقاً الأساس لنشاطات السيد نصر الله في الإيضاح للرأي العام وتنبيه الناس لنوايا العدو. وفي خصوص القضية الثالثة انتشر دعاء الجوشن الصغير انتشاراً كبيراً، وفيه الكثير من المفاهيم العرفانية والروحية القيمة، وربما أمكن القول إنه من أفضل الأدعية في مفاتيح الجنان ويتضمن مفاهيم