رمز الخبر: 378809
تأريخ النشر: 18 August 2014 - 00:00
يقف الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في قلب المعركة التي ستحدد نتيجتها مستقبل المشرق العربي. هي امتداد للحرب التي اريد من ورائها نقل سوريا من محور الي آخر. لكن الوجه الجديد لها لا يمثل خطراً علي سوريا وحدها. العراق في قلب المشهد المظلم، الذي ينذر لاعبه الابرز، تنظيم " داعش "بالتوسع نحو السعودية والأردن، وربما تركيا.

ليس نصر الله لاعباً ثانوياً في ما يدور في المشرق، بل في الصف الأمامي لصناع القرار. وهو يتابع أعداءه الجدد بالمنظار عينه الذي رأي فيه عدوه الدائم، اسرائيل. لا يستهين بقدراتهم، ولا يبالغ فيها. في الحلقة الثانية من المقابلة التي خص بها " الأخبار" في ذكري الانتصار علي العدو الاسرائيلي، يكمل السيد سرد رؤيته لما يجري في المنطقة. من مهرجان الانتصار عام 2006، إلي خطاب أبي بكر البغدادي في مسجد الموصل.... وما بعده. هناك من يقول إن حزب الله بدا كحركة إسلامية لا تعترف بحدود، ثم تحول في مرحلة لاحقة الي حركة مقاومة وطنية ذات طابع اسلامي قبل أن يتحول الآن الي حركة مقاومة عابرة للدول بعد القتال في سوريا والحديث عن الوجود في العراق واليمن. إلي أي حد هذا الكلام دقيق وصحيح؟ وإلي أي مدي توافقون عليه؟ بمعزل عن النقاش الفكري والسياسي أحب أن اعرض الامور كما هي. الذهاب للقتال في سوريا هو، في الدرجة الأولي، للدفاع عن لبنان وعن المقاومة في لبنان وعن كل اللبنانيين دون استثناء. وقد جاءت حادثة عرسال الأخيرة لتؤكد رؤيتنا، حتي لو اراد خصمنا المكابر أن يقرأها من زوايته. قال البعض إننا ذهبنا الي حرب استباقية في سوريا. لا اجد التعبير دقيقاً لأن الحرب كانت علي حدودنا. اليوم، هناك البعض في قوي 14 آذار ممن لا يكف في الحديث عن السيادة وعدم التدخل ولا يعرف مثلاً أن جرود عرسال الممتدة علي عشرات الكيلومترات وجرودا بقاعية أخري تحتلها جماعات مسلحة سورية منذ بداية الاحداث. وقد أنشأ هؤلاء معسكرات تدريب وغرف عمليات ومشافي ميدانية ومعسكرات وتجمعات داخل الأراضي اللبنانية، حتي قبل أن يذهب اي مقاتل من حزب الله الي سوريا. يقولون لنا: ذهبتم فجاؤوا. يا اخي، هم جاؤوا منذ زمن. sayedhasan الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله ومن المقطوع به والذي يتأكد يوماً بعد يوم أنه لا يتعلق بحرب استباقية. القصير هي علي الحدود ومن المقطوع به والذي يتأكد يوماً بعد يوم أنه لولا حرب القصير سريعا كانت الجماعات المسلحة ستدخل الي الهرمل والي منطقة البقاع الشمالي قتالنا في سوريا لا ينفي البعد الوطني عن المقاومة لأننا ندافع عن وطننا علي الحدود. صحيح أننا دخلنا الي بعض الأماكن في سوريا, لكن المعركة اساساً، في المناطق الحدودية. الأمر الاهم أن الخطر الآن يستهدف الجميع. ما كنا نتحدث عنه قبل ثلاث سنوات. بات الجميع اليوم يتحدث عنه , حتي الخصوم يقرون بأن ما يجري في المنطقة يهدد الكيانات والدول والمجتمعات والشعوب ويهدد المنطقة بأسرها وبات يهدد مصالح الدول الكبري في العالم. اليوم، أعتقد أن هناك واجباً علي كل من يستطيع أن يكون جزءاً من هذه المعركة للدفاع عن لبنان وسوريا والعراق وفلسطين والمنطقة والقضية الفلسطينية وعن المسلمين والمسيحيين والاقليات الدينية. كل البحث الفكري والاستراتيجي والتكتيكي والتنظير السياسي والفكري دعوه جانباً. هناك خطر كبير يجتاح ويتقدم ويرتكب مجازر مهولة، لا ضوابط لديه ولا عوائق أو حدود بالمعني الفكري والاخلاقي والشرعي والانساني. هناك وحش فالت عقاله في المنطقة ودولها وكياناتها. هل يجب أن يشكر أم يدان؟ أما من اخترع هذا الوحش ومن رباه ونماه فهو بحث آخر نصل اليه لاحقا، لا يزال لدي رهان بأنه سيأتي وقت سيقول لنا خصومنا والمكابرون اليوم : انتم علي حق ومشكورون. عني هل أنتم واثقون بأن هذا سيحصل؟ المزاج الشعبي تغير، السياسيون هم آخر من يمكن أن يتغير مزاجهم لأن لديهم حسابات مصالح و لنأخذ عرسال مثلا. هل مزاج أهلها اليوم هو نفسه كما كان قبل الاحداث الأخيرة؟ نسمعهم علي الشاشات كما نسمع بعض قادة تيار المستقبل، يسألون : أهكذا تكافأ عرسال التي استقبلت النازحين وآوتهم؟ بالطبع , البعض في عرسال قدم أكثر من ذلك وحولها قاعدة عسكرية متقدمة للجماعات المسلحة، بدليل بيان "جبهة النصرة " بعد الأحداث الذي أشار الي الخطأ الذي ارتكبوه في عرسال. بسبب ما تمثله بالنسبة إليهم ما قدمته عرسال _ ولا نقول أهل عرسال _ كجغرافيا وكموقع جغرافي للمعارضة المسلحة لم يقدمه أي مكان في لبنان. كيف كافأ هؤلاء أهل عرسال؟ حتي قبل المعركة الاخيرة كانت مجموعات مسلحة تدخل الي داخل البلدة لتسرق وتنهب وتقتل وتخطف. اهل عرسال حتي قبل الأحداث الأخيرة طالبوا بالحماية لان الحاكم الفعلي هناك " داعش " و " النصرة ". خذ مزاج المسيحيين في لبنان : ألم يتغير؟ في البقاع الشمالي، لا يوجد اليوم مسيحيو 8 آذار ومسيحيو 14 آذار كان من يريد أن يحافظ علي بيته وقريته وأملاكه كان حاضراً ليحمل السلاح الي جانب الجيش في مواجهة جماعات المعارضة السورية المسلحة. هنا لا يوجد نقاش معطيات الميدان و" الضيع" تقول هذا. هذا المزاج موجود اليوم في كل لبنان. لكن هناك شخصيات سياسية لديها مصلحة بالمكابرة. اليوم , هناك من يقول إنهم سيخضون معركة ضد التطرف والتزمت والإرهاب. حسناً , ترجموا لنا من تعنون؟ إذا كانت الحكومة اللبنانية لم تضع حتي الآن لائحة إرهاب , فإن هناك من وضع مثل هذه اللائحة وحدد من هم الإرهابيون. هل موقف النائب وليد جنبلاط في هذا السياق؟ بالتأكيد , هذا جزء من الاعتبارات لديه. هذا الوحش المسمي " داعش" لا تصنيفات للناس لديه بين صديق وخصم وحليف وعدو ولا ضوابط. محاربة هؤلاء ليست موضوع سلاح ومواجهة ميدانية، الميدان ينبني علي فكر واعتقاد وايمان وثقافة وعواطف ومشاعر. ليس بالأمر السهل أن يصل أحد الي ما وصل اليه هؤلاء من حقد وضغينة وجهوزية نفسية لسفك الدماء بهذه الطريقة. اين يوجد مثل هذا في التاريخ؟ " داعش" علي ذمة الأمم المتحدة , دفنوا الاطفال والنساء الايزيديين احياء. نراهم يتفننون في الذبح. كيف وصلوا الي ذلك؟ هذا الفكر تم الاشتغال عليه لسنوات حتي وصل الي هذا المستوي. في النتيجة هذا الخطر من يتهدد اليوم؟ اُنظر تجربة " داعش " في سوريا. قتلوا كل من سواهم. في العراق , هناك من يقول إن الحرب سنية –شيعية. كم يوجد من الشيعة في كل من نينوي وصلاح الدين؟ هؤلاء قتلوا أئمة مساجد سنة وشيوخ عشائر سنة لأنهم رفضوا بيعة الخليفة، وشردوا قسما كبيراً من اهل السنة وهدموا مساجدهم ومراقدهم ومزاراتهم , فضلاً عما فعلوه بالأقليات الدينية الاخري , كالمسيحيين والإيزيديين. اي منطق في الدنيا يسمح بأن يهجر عشرات الآلاف الي الجبال ويحاصروا ليموتوا عطشاً وجوعاً تحت مرأي العالم ومسمعه. هزيمة داعش ممكنة وانتصرنا علي الفكر ذاته في القصير والقلمون الوحش ينمو ويكبر هناك جبهات معينة في سوريا والعراق فيها صمود ضد داعش وهناك جبهات أخري تشهد تحسناً ميدانياً موضعياً في مدينة هنا أو قرية أو بلدة هناك، لكن يبدو أن الامكانات والأعداد والمقدرات المتاحة لـ "داعش" ضخمة وكبيرة وهذا ما يثير قلق الجميع وعلي الجميع ان يقلق. الاكراد مثلاً كانت لديهم حسابات خاطئة عندما حصل ما حصل في الموصل. دخل الاكراد الي مناطق متنازع عليها عراقياً واعتبروا انفسهم غير معنيين بالتدخل في بقية العراقيين من شيعة وسنة وايزيدية ومسيحيين، وأن علي اعتقاد، القيادة الكردية، بأن داعش ليس هناك ما يتهدد إقليم كردستان ربما كان منشأ ذلك تحليلا" أو وعوداً وضمانات قدمتها "داعش" أو رعاتها الاقليميون. لكن ما حصل أن داعش باتت علي مسافة 30 الي 40 كلم من اربيل، ما اضطر القيادة الكردية الي رفع الصوت وطلب مساعدة اميركية وغربية وإيرانية وعراقية وغيرها. إذاً , ليس هناك حدود ل "داعش" وهناك خطر حقيقي وخشية حقيقية لدي دول وجهات كثيرة. لأن من "مميزات" هذا التنظيم قدرته علي استقطاب كل اتباع الفكر القاعدي والفكر الوهابي. أين المشكلة في أن يتحوّل ابن «النصرة» الي «داعش»؟ لا مشكلة في الأمر لأنهما يمتلكان العقيدة والفكرة والأدبيات والسلوكيات والممارسات نفسها. خلافهم تنظيمي علي الإمارة بين أبو محمد الجولاني وأبو بكر البغدادي. وبالتالي، إذا وجد ابن «النصرة» أن أهدافه تحققها «داعش» فسيلتحق بها، ولدي «داعش» القدرة علي تذويب «النصرة»، ليس عسكرياً بالضرورة، بل بانضمام أتباع «النصرة» الي «داعش». أتباع هذا الفكر التكفيري الوهابي جري الاشتغال عليهم عشرات السنين، وبذلت عليهم مليارات الدولارات. هؤلاء، في أي مكان من العالم، سيجدون في «داعش» الأُمنية والأمل والمشروع والمستقبل. بعض الدول تعرف ماذا أوجدت وربّت، ولذلك تشخيصها لخطر «داعش» أكبر وأهم وأدق من تشخيصنا مثلاً، لأنهم يعرفون ما لديهم. اليوم، بمعزل عن المبالغة، هناك رعب حقيقي في داخل دول الخليج وفي السعودية، لأن هذا الفكر هو الذي يلقّن منذ عشرات السنين للناس، في المدارس وفي المناهج التعليمية. لذلك نقول إن هناك خطراً كبيراً وإن الجميع يجب أن يقلق. هناك خطر حقيقي علي كيانات ومجتمعات ودول وشعوب، وقطعاً كل الأقليات الدينية في خطر، وداخل الدائرة الإسلامية كل الأقليات المذهبية هي في خطر، وكل السنّة الأشاعرة ــــ وهم أغلب السنّة ــــ في خطر حقيقي. الخطر علي دماء كل هؤلاء وأموالهم وأعراضهم وأطفالهم ونسائهم ومقدساتهم. لا نريد أن نفتعل حالة رعب عند الناس. هذا الخطر، بالتأكيد، يمكن مواجهته والتغلب عليه وإلحاق الهزيمة به. لكن الأمر في حاجة الي جدية. نحن في القصير والقلمون وغيرهما لم نقاتل «الجيش الحر» وأصحاب الفكر العلماني أو الليبرالي، بل قاتلنا هذا الفكر وهزمناه. لكن المطلوب من الناس أن تأخذ موقفاً، وأن تعي وتنتبه. عودة الرئيس سعد الحريري، هل هي بداية استشعار سعودي بضرورة لملمة الوضع، وتسليمه قيادة تيار الاعتدال في وجه الإرهاب؟ هذا ممكن. في لقاءات أخيرة لك مع شخصيات سياسية، توقعت هجوم «داعش» في اتجاه كردستان قبل وقوعه. برأيك، لماذا اتجهوا شمالاً، ولماذا حيّدوا السعودية والأردن وتركيا؟ سيأتي وقتهم جميعاً. حيث يوجد أتباع للفكر التكفيري توجد أرضية لـ«داعش»، وهذا موجود في الأردن والسعودية والكويت ودول الخليج. وإذا كان من دولة تعتقد بإمكان دعم هذا التنظيم وتوظيفه، عندما تصل «النوبة» إليها فلن ترحمها «داعش». لكن هذا كله له علاقة بالمعطيات الميدانية والجغرافية. حتي الأتراك مشتبهون. في كل الأحوال، هل داعش نزلت بالباراشوت من السماء؟ المقاتلون الذين جاؤوا من كل أنحاء العالم معروف من أي حدود دخلوا ومن أعطاهم تسهيلات ومن زوّدهم بالمال والسلاح والإمكانات. رأيُنا كان، منذ البداية، أن طابخ السم آكله. هذه أفعي هم أوجدوها وكبرت في حجرهم وانقلبت عليهم، كائناً من كانوا، سواء الأميركيون أو الأتراك أو الدول الخليجية. من يعتقد بأنه يستطيع أن يدير هذه اللعبة ويتحكم بأدواتها أو مساراتها فهو واهم ومشتبه. أليس هناك مسؤولية علي الجيشين السوري والعراقي في مسألة نمو «داعش» وعدم التصدي لها مبكراً؟ لا يمكن أن تلوم سوريا لأنها ذهبت الي المواجهة منذ البداية مع الجماعات المسلحة، بمعزل عن أسمائها وعناوينها. ألم يحيّد الجيش السوري «داعش» في فترة من الفترات؟ لم يكن هناك تماس بين الجيش السوري و«داعش». في الموضوع العراقي، هناك نقاش كبير. ما جري في الموصل من الموضوعات الخطيرة، ولم يكن من بطولات «داعش». وإلا لماذا جري وقف الزحف في كثير من الأماكن بمجرد جهود بعض القوي الرسمية والشعبية العراقية؟ برأيكم، هل تم إيقاف الزحف صوب بغداد؟ بحسب معلوماتي، نعم إلي درجة كبيرة. ما هو رأيك في ظهور أبو بكر البغدادي إعلامياً؟ ليست سياسته أن يطلّ إعلامياً، لكن أعتقد أنه أطلّ ليعالج مشكلة فقهية. لأنه عندما طرحت «داعش» خلافته، حصل نقاش في العالم الإسلامي بين علماء السنّة أنه كيف يُمكن أن نبايع شخصاً لا نعرف اسمه، لا نعرف شخصه، ليس لدينا معلومات عنه أو أي معطيات، لأنه لا تجوز بيعة المجهول، يجب أن نبايع معلوماً. اضطر إلي أن يخرج حتي يُصبح معلوماً ويفتح باب البيعة، هذه الحيثية بطبيعة الإدارة والحركة. بالنسبة إلي مسألة إعلان نسبه أنه قرشي، فمردهّ إلي أن هناك حديثاً يقول إن الأئمة من قريش. فبحسب المذاهب الفقهية، يجب أن يكون الخليفة من قريش، بينما أمير بلد، كملك أو أمير أو رئيس، فهم يعتبرونه ليس خليفة المسلمين. خليفة المسلمين يجب أن يكون قرشياً. ولأن مشروع أبي بكر البغدادي هو مشروع خلافة، عليه أن يقول لهم أنا قريشي حتي تصحّ البيعة له. وهو يريد أن يقول أنا قرشي من أهل البيت، لأن موضوع أهل البيت عند الشيعة وعند السنّة له أثر بارز؛ عند السنّة هناك محبّة لأهل البيت واحترام لأهل البيت، ولا يوجد نقاش في هذا الموضوع. هناك شريحة خاصة، ولذلك بالتمييز أحياناً تحصل مغالطات. فمثلاً عبارة «النواصب» أو «الناصبي» هذا ليس مصطلحاً شيعياً، هذا مصطلح إسلامي يستخدمه علماء الشيعة وعلماء السنّة ويقصدون به من ينصب العداء لأهل البيت عليهم السلام، يعاديهم، يحقد عليهم، يسيء إليهم، يشتمهم. هذا ليس مصطلحاً شيعياً، وإذا نظرت في كتب الرجال عند العلماء السنّة التي تقيّم رجال الأحاديث، يقال إن فلاناً كان ناصبياً، هم يستخدمون المصطلح. فالنواصب هم حالة خاصة. عموم أهل السنّة محبّون لأهل البيت عليهم السلام ويحترمونهم، وتتفاوت هذه المحبّة من بلد إلي آخر. لذلك يقول أنا قرشي وأنا كذلك من أهل البيت. أنا لا أعلم إن كان حقيقة ما يدّعيه، هل هو حسني أم حسيني أم قرشي؟ الله أعلم. هل يشعر حزب الله بأنه مسؤول عن الشيعة العرب (الاثني عشرية والإسماعيليين والعلويين، إلخ...)؟ دائماً، كان هناك من يحرص علي أن يأخذنا الي هذا التوصيف. الحزب كان مطروحاً وطنياً وعلي مستوي المنطقة كمقاومة ضد إسرائيل، وحقق في هذه المعركة إنجازات عظيمة وانتصارات كبيرة، وكان واضحاً لدي الحكومات العربية وكل القوي السياسية أن الحزب من القوي الجدية، إن لم يكن الأكثر جدية، التي أخذت علي عاتقها مواجهة المشروع الصهيوني. وبالتالي، لا نقاش في صلة حزب الله بالصراع مع العدو الإسرائيلي، وبالوقائع الميدانية داخل فلسطين. لذلك، عندما أتت تطورات المنطقة، جرت محاولات الاستخدام في كل ساحة. في مصر، لأنه لا يوجد سنّة وشيعة، أعطيت المعركة عنوان معارضة ونظام. الأمر نفسه في ليبيا وتونس. لكن في العراق، ذهبوا الي التحريض الطائفي والمذهبي، ومعروفة الدول ووسائل الإعلام التي أخذت العراق الي هذا التحريض، حتي في ظل الاحتلال الأميركي وبعد انسحاب الأميركيين. وعندما بدأت الأحداث في سوريا، كذلك، حولوا الصراع الي صراع طائفي ومذهبي بالتعبئة والتحريض والخطابات واستنهاض مقاتلين من كل أنحاء العالم. يوجد تشكيل شعبي في الجولان نفّذ عمليات ضد قوات الاحتلال هناك بالنسبة الي حزب الله، عندما يقدم أي مساعدة أو مساندة في أي ساحة من الساحات، فإن حساباته لا تكون طائفية، بل انطلاقاً مما نسميه معركة الأمة ومشروع الأمة ومصلحة أوطاننا وشعوبنا. علي سبيل المثال، عندما احتل الأميركيون العراق، جزء كبير من المزاج الشعبي العراقي لم يكن مع المقاومة بسبب ظلم صدام حسين للشعب العراقي، وبسبب الحروب المتتالية والحصار. هذا طبيعي لأن الشعب كان منهكاً. ولكن، وهذا لم يعد خافياً، من الذي سخّر خطابه السياسي وكل إمكاناته الاعلامية وعلاقاته واتصالاته، منذ اليوم الأول، وصولاً الي العلاقة الميدانية مع المقاومة العراقية، وخصوصاً في الدائرة الشيعية؟ حزب الله لم يذهب ليعمل مع المزاج الشيعي، بل ذهب ليعمل علي هذا المزاج، وعلي أي هامش متاح لمقاومة الاحتلال الأميركي في العراق. انطلقت المقاومة في العراق، وجزء كبير منها كان، بين هلالين، مقاومة شيعية، بمعني أن الفصائل التي تقوم بعمليات المقاومة هي تنتمي الي أبناء الشيعة العراقيين. عدد كبير من هذه العمليات صُوّر ووُثِّق بالفيديو، ورفضت الفضائيات العربية، «الجزيرة» و«العربية» وغيرهما، نشرها. أليس هذا غريباً؟ لماذا؟ لأنهم لا يريدون ــــ وهذا ليس اتهاماً للسنّة بل لبعض الأنظمة ــــ الإقرار بوجود مقاومة من الشيعة لها علاقة بالمقاومة العراقية. إذاً، منذ البداية، هم ذهبوا في الموضوع العراقي، وفي السوري واللبناني، إلي التحريض المذهبي. يصرّون علي أن المقاومة في لبنان شيعية. نقول لهم هذه مقاومة لبنانية وطنية لكل اللبنانيين. صودف أن الشيعة وجدوا علي حدود كيان العدو، لذلك يقاتلون، إلا أنهم يصرّون علي أننا مقاومة شيعية وإيرانية وغير ذلك. من يرد أن يستمر في هذا التوصيف «يصطفل». بالنسبة إلينا، كنا حريصين منذ البداية علي التأكيد أن تواجدنا في سوريا ليس علي أساس طائفي، وأننا ساعدنا المقاومة في العراق علي أساس غير طائفي أيضاً. ونحن ساعدنا حماس والجهاد والفصائل الفلسطينية وهم سنّة. دائماً يراد التغطية علي مساهمتنا الفلسطينية ليعطونا العنوان الطائفي والمذهبي. نحن نقول: حيث يوجد دفاع عن فلسطين، وعن محور المقاومة، وعن الناس، وحيث نستطيع أن نكون موجودين ويمكننا أن نساعد، سنفعل. إذا كانت لدي حزب الله إرادة الدفاع عن أهله وشعبه وقضية أمته، ومستعد أن يفعل ذلك، فهذا ليس جريمة أو ذنباً. السؤال يجب أن يوجّه الي الآخرين: لماذا لا تتحمّلون المسؤولية ولا تدافعون؟ لو لم يقاتل حزب الله في القصير وفي القلمون، لم تكن المعركة الأخيرة في عرسال فقط. كان البقاع «خلص»، وكانوا وصلوا الي الجبل وعكار والساحل، ولكانت المعركة في بيروت والجنوب. هذا أكيد. تقديم شهداء لحفظ كل هذه الأنفس والأعراض والدماء والأموال واجب عقلي وديني وشرعي وأخلاقي ووطني وإنساني. قلت إن حزب الله هو حالة وليس حزباً، وبالتالي هو يمثل كل الشيعة، وخصوصاً في الجو الحالي. هؤلاء في أوقات الرخاء قد يكونون مع المقاومة، ولكن ربما ضد الحزب في العمل التنموي مثلاً أو البلدي أو النيابي. وبالتالي فإن حزب الله متهم بأنه متسلط علي الشيعة؟ لا يمكنني أن أسلّم بهذا التوصيف. ولكن علي كل حال، هذه النتيجة طبيعية. حزب الله هو مجموعة بشرية. هناك ميدان تضحيات يعمل فيه، لذا يمكن أن تجد كل الناس معه، كموضوع المقاومة. أما عندما تذهب إلي الميادين الأخري، فهذا الوضوح يمكن ألا يكون موجوداً عند الناس كما في ميدان المقاومة. العاملون في الميادين الأخري قد يرتكبون أخطاء. الفارق أنه في مساحات معينة من العمل قد يظهر الخطأ، وفي مساحات أخري قد يرتكب العاملون أخطاءً لا يراها الناس. في كل الأحوال، من الصعب أن تكون هناك مجموعة بشرية، قد يكون اسمها حزباً أو تياراً، تعمل في كل المجالات وترضي الناس جميعاً، أو تعبّر عن كل طموحاتهم، أو عن كل آمالهم وتوقعاتهم. هناك في حزب الله مميزات كثيرة، علي مستوي الأخلاق والجدية والالتزام والوفاء، لكن أيضاً هؤلاء بشر، لهم إمكاناتهم وقدراتهم، مع العلم بأننا في مساحات كثيرة حريصون علي أن نشكل وننوعّ ولا نتحمل المسؤولية وحدنا، ومن جملة الأمور الموضوع البلدي. هناك الكثير من رؤساء البلديات، لا أستطيع القول إن حزب الله يتحمل تبعات تجربتهم، حتي ولو كانت إيجابية. يمكن أن يكون سبب الإيجابيات شخصياً أكثر مما هو برمجة عمل. في موضوع البلديات، هناك تقاليد وعادات، حتي حزب الله لم يستطع الخروج منها، هي موضوع التمثيل العائلي. المجالس البلدية، حتي المحسوبة علي حزب الله، لا تستطيع أن تقول إن هذه مؤسسات حزب الله. ولذلك في هذا المجال، يحتاج الإنسان دائماً إلي التطوير. وأيضاً سلوك الأفراد وسلوك المسؤولين الذي يتفاوت بين منطقة وأخري وبين شخص وآخر، وقناعاتهم، مزاجاتهم، كل هذه الأمور مؤثرة. يبقي موضوع المقاومة. وأنا مع فكرة أنه لا توجد مشكلة حتي لو الناس فصلوا، طبعاً لا أعني فصلاً تاماً. قد يقول لك شخص ما: في موضوع المقاومة أنا مع حزب الله، أما في موضوع البلدية فأنا لست معه، أو في النقابات الفلانية أنا لست معه، أو في الموقف من القوانين الفلانية أيضاً أنا لست معه. هذا طبيعي. في مرة من المرات قلت افصلوا بين المقاومة كمقاومة وقضية حق، والموقف من الحزب أو الخلاف مع الحزب الذي يمكن أن يبدأ من تأييد مختار أو تجمع طلابي في كلية وصولاً إلي رئيس الجمهورية. يمكن أن نختلف علي ملفات أخري، لكن كيف يمكننا أن نعمل من دون أن ينعكس خلافنا مع الناس أو مع قوي سياسية علي موضوع المقاومة. يوجد شعور عند الناس أنه رغم تقديم الشهداء فليس هناك من يقدّر، وهذا ما يثير تساؤلات عن جدوي ذلك؟ حتي في العراق، كان هناك من يسأل، كما في لبنان، ما الذي أخذ حزب الله إلي سوريا؟ كان البعض يناقشنا في الحيثية والأسباب. بعد ما حصل في العراق، أقرّوا برؤيتنا. اليوم، سواء في العراق أو حتي في سوريا، يعنينا المزاج الشعبي، وهذا المزاج بدأ يتغيّر. يصلني الكثير من الشكر. من الناس أم من السياسيين؟ لا علاقة للسياسيين بالأمر. الناس في بيئتنا واعون لهذه المعركة، وفي البيئات الأخري هذا الوعي ينمو والإحساس بالخطر يكبر. وصلتني رسائل مهمة جداً. هناك أناس يتحفظون عن التحدث في الإعلام. أما السياسيون، فكونوا علي ثقة أنه مهما قدمنا لهم فلن يرضوا ولن يعترفوا. للأسف هناك مجموعة من السياسيين أصبح لديهم عداء ذاتي، لا علاقة له بما إذا كان ما نقوم به صحيحاً أو لا. في بعض المراحل هناك جهات دولية وإقليمية تكلف جماعات تابعة لها بمعاداتنا، لكن عداءهم استحكم إلي حدّ أن الجهات التي تقف وراءه قد تلفتهم الي أن الأولويات باتت مختلفة. هؤلاء لا حل لهم. هل يمكن لسوريا أن تساعد جدياً في معالجة ملف كالنازحين عبر السماح لهم بالعودة؟ المشكلة هي هل يريد النازحون أن يعودوا؟ نحن كلنا جاهزون أن نساعدهم. البعض يستطيع العودة والعيش في أمن وأمان. هناك مناطق بكاملها، في ريف دمشق والقلمون وحمص وغيرها، قاتل فيها مسلحون الدولة لثلاث سنوات ثم دخلوا في تسويات، واليوم لا أحد يتعرض لهم. هؤلاء كانوا يقاتلون فكيف بمن كان هارباً؟ إذاً، دعونا نبحث عن الأسباب الحقيقية لتمسك البعض بالنزوح إلي لبنان تحديداً. هذا يحتاج إلي إرادة جدية لدي النازحين أولاً، وقرار من بعض القوي السياسية ثانياً بوقف استخدام النازحين ضد النظام إنسانياً وأخلاقياً وأمنياً وسياسياً. هؤلاء يشجعون المسلحين علي الإتيان بعائلاتهم الي لبنان لكي يتفرّغوا للقتال هناك. وبالمناسبة، أؤكد أن الرعاية اللبنانية لبعض الجماعات المسلحة في بعض المناطق السورية لا تزال قائمة، تمويلاً وتسليحاً وتدخلاً واهتماماً وتوجيهاً، ولكن بعيداً عن وسائل الإعلام. هذا الأمر مستمر ولم يتغير شيء. المطلوب قرار سياسي بوقف استخدام النازحين، وبالتالي فتح باب التعاون مع الحكومة السورية لإعادتهم إلي بلادهم. وما أعرفه أن لدي سوريا استعداداً كبيراً للتعاون في هذا الشأن. هل تُسبّب مشاركتكم في الحرب في سوريا استنزافاً مادياً وبشرياً للحزب، وإلي أي حد يمكن تحمّل هذه المجازفة؟ القول إنها تشكل استنزافاً فيه مبالغة. لكن في كل الأحوال، ما يتحمله الحزب من تضحيات في سوريا منذ بداية تدخله إلي اليوم، يبقي أقل بكثير من التضحيات المفترضة والأثمان التي كان علي حزب الله واللبنانيين جميعاً دفعها لاحقاً لو لم يتدخل. هل كشف القتال في سوريا تكتيكات كان حزب الله يتركها مفاجآت للإسرائيلي؟ ما أعدّ لإسرائيل يختلف بطبيعة الحال عن المعركة التي نخوضها ضد الجماعات المسلحة، وبالتالي لا أري أن هناك شيئاً كان حزب الله قد أعدّه أو أخفاه أو خبّأه في مواجهة الإسرائيلي وانكشف. بل بالعكس، وهذه واحدة من النتائج الجانبية ــ وليست سبب الذهاب الي سوريا بطبيعة الحال ــ أن هذه المعركة تكسبنا من الخبرة ومن المعرفة ومن الآفاق الواسعة ما يمكن توظيفه بشكل أفضل في أي مواجهة مستقبلية مع العدو، هجوماً ودفاعاً. عين إسرائيل علي تجربة حزب الله في سوريا. وقيل الكثير في النقاشات الإسرائيلية أن حزب الله، بعد تجربة القصير وتجربة القلمون، هل يستطيع أن يطبّق دروساً وخلاصات من هاتين التجربتين في معركة الجليل. المعركة التي حصلت في سوريا تعطينا إضافات نوعية أحياناً في أي معركة مع العدو الإسرائيلي، ولم يضع من أيدينا شيء قد يكون مفيداً في المعركة مع العدو. هل اصطدمتم مع الإسرائيلي في سوريا؟ مباشرة كلا. هل يساعد وجود حزب الله في سوريا أهل الجولان علي إطلاق حركة مقاومة شعبية؟ هذا يعود إلي إرادتهم. عندما تحكي عن مقاومة في أي منطقة من المناطق، إذا كان لدي أهل المنطقة، السكان المحليين القاطنين في تلك الأرض، إرادة مقاومة، فأنت تصبح عامل مساعدة كما حصل في لبنان. عام 1982 لم يأتِ الإيراني أو السوري ليقاتل في لبنان. يوجد لبناني لديه إرادة قتال لتحرير أرضه، فكان للمساعدة معني. قبل عبوة شبعا وبعدها، حدثت هناك أكثر من عملية في الجولان. هل لحزب الله علاقة بهذه العمليات؟ ما أعرفه أنه يوجد تشكل حقيقي موجود هناك، تشكل شعبي يعبّر عن إرادة ما، وهم الذي يعملون وليس نحن. هل صحيح أنكم التقيتم معارضين سوريين في خلال الفترة الأخيرة، وأن بعضهم غيّر مواقفه؟ لا داعي لأن يغيّر الذين التقيت بهم مواقفهم. يمكن أن أقول إنهم تفهّموا موقفنا. هل تميّز بين المعارضات السورية؟ عملياً، في الواقع الحالي، المعارضة الخارجية لم يعد لها أي وجود داخل سوريا. وأصلاً لم يكن لها وجود، في رأيي، منذ البداية، ولم يكن لها تأثير في الداخل السوري. هم عبارة عن شخصيات سياسية أو ثقافية أو فكرية تم تجميعها في إطار مشروع سياسي معين، وهم عاشوا بأغلبيتهم علي أبواب السفارات والفنادق وما زالوا علي أبواب السفارات والفنادق. وهذا ليس تقييمي. هذا تقييمهم هم. رموز كبيرة ممّا يسمي الائتلاف الوطني المعارض يقولون ذلك في الجلسات مع أصدقائهم اللبنانيين. يقولون إن هؤلاء يحكون ويجتمعون ويصدرون بيانات، وقد زادتهم تشتيتاً فوق تشتتهم السفارات والدول وما سمّي مكوّن أصدقاء سوريا. هذا واقع المعارضة الخارجية. لذلك أين هي المعارضة الخارجية في المعادلة السياسية والميدانية اليوم؟ لم يعد لها أي قيمة أو تأثير. الميدان تحكمه المجموعات المسلحة. حتي «الجيش الحر» لم يكن جيشاً، بل كان تجميعاً لجماعات مسلحة منفصلة بعضها عن بعض، تنسّق في ما بينها أحياناً وتتصارع في أحيان كثيرة علي الغنائم وعلي الحاجز وعلي المعبر الحدودي. عملياً الآن الميدان أصبح جزء أساسي منه مع «داعش»، وجزء أقل مع «جبهة النصرة»، وجزء مع ما سُمّي في التجميع الأخير «الجبهة الإسلامية». أما من توصف بجماعات وطنية أو علمانية أو مدنية فلم يعد لها وجود. لا أريد أن أستدل بكلام أوباما، ولكنه خبير بهم. السفير الأميركي هو الذي كان يدير جزءاً كبيراً من هذه المعارضة. الآن واقع المعارضة علي الأرض أنها تتشكل من جماعات مسلحة أكثرها متشدد ومتطرف تتقاتل في ما بينها. هذا ما انتهي إليه واقع الحال. ولذلك حتي لو أردنا أن نبحث عن قوي سياسية معينة في المعارضة للتفاهم أو التحاور معها فلن نجد. هكذا أعدّ خطاباتي... وصرت أقرّر متي أرفع إصبعي! منذ بدأ السيّد حسن نصر الله دراسته الدينية في النجف، تميّز بقدراته الخطابية. وعلي مرّ السنوات والمسؤوليات، سحرت مهارته في الخطابة كثيرين، فيما جعل منها الاسرائيليون مادة للدراسة والتحليل. كيف يعمل قائد المقاومة علي إعداد خطاباته النارية؟ وما هي أسرار هذه الخطابات؟ هل تحبّ إلقاء الخطابات؟ لا أقدر أن اقول إني لا أحب أن أخطب. نحن مشايخ وهذا جزء من عملنا. في الثمانينيات كنت ألقي خطاباً كلّ ليلة وأتنقل من حي السلم إلي الأوزاعي إلي بيروت إلي الشياح. نعم، أحب أن أخطب خصوصاً انه لدي شيء لأقوله. لكن يبدو مؤخراً أنك تقنّن ظهورك وإطلالاتك؟ بعد عام 2006، صار لكلّ كلمة وكلّ حرف وكلّ طلة حساب، وباتت تُبني علي الخطاب مواقف، وله تبعات. صار الخطاب مراقباً بشكل كامل وهناك متابعة له من الصديق والعدو، وبالتالي صرت أنا في مسؤولية أخطر وأكبر، وهناك حجم توقعات مختلف. لم يعد الموضوع يتعلق بمزاجي إن كنت أحب أن أخطب أم لا. لم يعد الأمر شخصياً. صرت معنياً أن أقلّل من الأخطاء لأنه لا أحد فينا معصوم. من الذي يقرّر موعد إطلالاتك وإلقاء الخطب فيها؟ لا يوجد قرار في حزب الله أن فلاناً يخطب كلّ فترة محددة أو لا يخطب. هذا الأمر من صلاحيات الأمين العام. أنا أري المصلحة في الكلام أو عدمها. أحياناً يقدّم الأخوان اقتراحات أنه من المفيد الآن أن نخرج بخطاب، لكن هذا الموضوع عندي كصلاحية، وله علاقة بمزاجي ورغبتي. هناك انطباع بأن خطاباتك لا تحتاج إلي تحضير. تطلّ وتقول مباشرة ما تريد قوله؟ لا، ليس الأمر كذلك. أنا لا أخرج وأقول ما أريده من دون ضوابط ونقاش مع الإخوان، خصوصاً في الخطابات الحساسة والتي يكون فيها اتخاذ مواقف. في النهاية هناك شيء له علاقة بأصل تركيبة حزب الله. الأمين العام ليس قائد حزب الله، وهو ليس صاحب القرار في حزب الله. القرار السياسي يؤخذ بشكل أساسي في شوري القرار. الشوري هي التي ترسم المسارات وتتخذ المواقف الأساسية والقرارات الأساسية. طبعاً الأمين العام شريك مؤثّر في اتخاذ القرار، لكنه ليس من يتخذه. مثلاً، إذا كنت سأعقد الآن مؤتمراً صحافياً متعلقاً بالشأن السياسي، لستُ من يقرّر إن كنا نريد انتخابات نيابية أو سنقبل بالتمديد للمجلس النيابي أو، مثلاً، قرار الدخول إلي معركة القصير. هل هذا قرار يتخذه الأمين العام؟ لا. تأخذه شوري حزب الله. حتي الإعلان عن الأمر هو قرار تأخذه الشوري. ما يبقي لي هو كيفية التعبير عن هذا الموقف، الحجة، المنطق البيان، اللغة، الأدبيات. كذلك الأمر في الموضوع الجهادي. مثلاً، في السابق عندما كانت تطلق التهديدات الإسرائيلية كنت أناقش مع الإخوة الجهاديين في كيفية الردّ وما إذا كان مناسباً الآن أن نطرح هذه المعادلة أو نبقيها لوقت لاحق. مثل معادلة كلّ مبني في الضاحية مقابله مبانٍ في تل أبيب؟ مثلاً، أو مثلاً معادلة مطار بن غوريون، أو معادلة البحر. أنا أناقش الأمر مع الإخوة. نتحدّث في أصل المعادلة الموجودة لدينا ضمناً. ماذا تقصد بالمعادلة الموجودة ضمناً؟ يعني أننا لا نتحدّث عن شيء غير موجود. وهنا ألفت إلي أن الحرب النفسية بالنسبة لمدرسة حزب الله تعتمد علي الصدقية. في الحرب النفسية يمكنك أن تبالغ وأن تشيع أجواء معينة، ولكن الصدقية يجب الحفاظ عليها. لا أستطيع أن أقول: إذا قصفتم بيروت نقصف تل أبيب في وقت لا تتوافر فيه لدي حزب الله القدرة علي ذلك. غير ممكن لأنه أولاً هذه الحرب ستكون فاشلة، وثانياً حرص المقاومة في لبنان علي الصدقية التي استطاعت أن ترسّخها نتيجة تراكم التجربة والخبرة، حتي بات الإسرائيلي، سواء كان جيشاً أو حكومة أو أحزاباً أو ناساً، يقولون لك نحن نصدّق فلاناً أو الجهة الفلانية ولا نصدّق كثيرين في العالم العربي. اتفقت مع الحاج عماد علي أن أخطب ربع ساعة ولمّا تخطيتها أرسل إليّ بأن «خلّصنا انزل» بعيداً من المعادلات العسكرية، هل تعدّ بقية الخطابات مسبقاً، وهل تناقشونها أيضاً؟ نعم، أحياناً يحصل ذلك. كأن يجتمع الأخوان المعنيون بالسياسة ويقدّمون مجموعة أفكار لما يجب أن يرد في خطاب معيّن. الانطباع السائد لدي الناس مختلف، حتي أن هناك من يفصل بينكم شخصياً وبين حزب الله؟ الناس معتادون علي الزعيم والقائد والرمز. حتي هنا كنا إذا قلنا لهم إنه في حزب الله توجد مؤسسات قرار، وجهات تخطط وتبرمج، والأمين العام هو واحد من مجموعة، هناك أناس لا يصدّقون لأن المزاج العربي والشرقي معتاد علي الزعيم والقائد والبطل. هذا بحاجة إلي توضيح. داخل الحزب هذا معروف، ما هي آليات اتخاذ القرار ومن هي الجهات المعنية باتخاذ القرار، وعندما أتحدث عن قرار أتحدث عن مستويات. داخل الحزب هذا معروف، أما خارج الحزب، وباعتبار العلاقة والمحبة التي تنشأ مع الناس، سيتأثرون. كما أن طبيعة الخطاب وطريقته والأدبيات والصياغات واللغة التي يجري استخدامها تلعب دورها، ولا شك أنه في تجربة حزب الله قُدّمت مجموعة أدبيات لم تكن موجودة لعمل المقاومة، وجاءت حرب تموز أيضاً ساعدت في تكريسها، لذلك الآن نجد أن جزءاً كبيراً من هذه الأدبيات موجودة في حرب غزة، رغم أن التجربة هناك لها خصوصياتها ومميزاتها ولها أدبيات مختلفة، لكن بشكل عام متقاربة. عندما تكون في مرحلة إعداد لخطاب، هل تدرّب نفسك ولو بشكل أوّلي علي مساره؟ أين سترفع الصوت، أو تستعمل حركة رفع الإصبع التي تحظي بتعليقات؟ أم أن الأمر يأتي في سياق ارتجالي حسب التفاعل مع الجمهور؟ بالنسبة لرفع الصوت أو خفضه، فهذا أمر مقصود طبعاً. الأمر يتعلق بطبيعة المناسبة وطبيعة الجمهور، فما يجب رفع الصوت فيه لا يمكن قوله بصوت منخفض، والعكس صحيح، فلكل مقام مقال وحال وصوت و«رفعة إصبع». هل تتقصدّون رفعه؟ في الماضي كان الأمر طبيعياً، ولكن بعدما بدأ الآخرون يتحدثون عن هذه المسألة، أصبحت أحسب الموضوع، وأقرر متي أرفع إصبعي. هل تشاهد نفسك بعد إلقاء الخطاب؟ لا.. إلا إذا بثوا قسماً من الخطاب في نشرات الأخبار. أما أن أجلب الشريط وأشاهده، فهذا لا يحصل. لكن هناك مجموعة من الأخوة والأصدقاء يقدمون لي ملاحظات إيجابية وسلبية بالشكل وبالمضمون وأنا آخذها عادة في الاعتبار. هل تدرّبت علي الخطابة، أو خضعت لدورات تتعلق بالقيادة؟ قرأت بعض التقارير الإسرائيلية التي ذُكر فيها أني قد أكون خضعت لدورات عديدة في إدارة الحرب النفسية، أو أنني أتمتع بهذه الإمكانية بالفطرة أو بالغريزة. الحقيقة، أنا لم أخضع لأي دورات، لا بالحرب النفسية ولا بالإدارة ولا القيادة. هذا الأمر تطوّر معي ومع إخواني نتيجة التجربة والمراكمة والخبرة. بما في ذلك قدر المعلومات الذي كنت تقدمه خلال إلقاء الكلمات؟ نعم. كلّه حصيلة تجربة وتراكم ونقاش. عندما يكون الشخص هو من يتابع، هو موجود داخل الإدارة وداخل اللعبة، وتكون لديه إحاطة كاملة بالمعلومات ويعقد نقاشات مستمرّة لتقدير الموقف المناسب أو غير المناسب، تحديد ما هو مناسب أن يقال للعدو، ما هو مناسب أن يعرفه الصديق، ما يجب أن يُخفي، ما يجب أن يعلن، عندها يصبح الشخص علي معرفة بقدر المعلومات الذي يجب قوله. هل تحضّر مضمون خطابك مسبقاً؟ نعم، أنا أحضّر في غالب الأحيان، وأكتب الأفكار علي الأوراق التي أضعها أمامي عندما أكون في موضع الخطابة. احترام الناس يفرض علي الخطيب أن يحضّر. كما أحرص علي أن تكون الأفكار حول موضوع واحد أو أن تكون متناسبة مع بعضها، أو أقسّم الخطبة إلي محاور عندما أكون مضطراً في السياسة أن أفعل ذلك. أما في الموضوع الديني، فأتناول موضوعاً واحداً، حتي لو حكيت ثلاثة أرباع الساعة أو ساعة كاملة، وأركّز عليه. لكن لا شك، الكلام يجرّ الكلام خلال الخطاب، والأفكار تتفاعل، والحضور أمامك يفرض طريقة الخطابة. كيف ذلك؟ هناك ثلاث حالات خبرتها. إما أن أتحدّث بين الناس، أو عبر الشاشة في حضور الناس، أو عبر الشاشة من دون وجود الناس. عندما أوجّه رسالة تلفزيونية، أجلس أمام الكاميرا والناس يكونون مفترضين. أي أنهم جالسون أمام الشاشة ويحضرون الرسالة، وهذا يختلف عندما يكون الناس موجودين في المكان الذي أخطب فيه. فأنا أراهم وأتفاعل معهم وإن كنت لست واقفاً بينهم. كما حصل في إطلالتك في خطاب الانتصار في 22 أيلول 2006، الأولي لك بعد حرب تموز. كان الجوّ عاطفياً صحيح، وقد لمست ذلك وشاهدت شخصيات سياسية تنفعل وتبكي وبالكاد استطعت التماسك. عبارتكم الشهيرة «أشرف الناس» وردت في ذلك اليوم، هل كانت مكتوبة؟ يومها لم تكن مكتوبة في النص، أحياناً يخطر الكثير من الأفكار في بال الشخص وهو يخطب وهنا أهمية الخطاب بين جمهور. لكن علي ما أذكر، تضمّنت رسالتي إلي المجاهدين مقطعاً كان موجهاً إلي الناس أثناء الحرب، لكن لم يجر تسليط الضوء عليه وأظن أن هذا التعبير ورد في ذلك المقطع. يقال إنك اتخذت قرار الظهور الشخصي في اللحظات الأخيرة في 22 أيلول 2006؟ صحيح. كان هناك نقاش حول ظهوري العلني أو عبر شاشة. وترك الأمر في النهاية لي وللحاج عماد مغنية. وقد كنا معاً في المبني الملاصق للاحتفال، وفي نصف الساعة الأخير حسمنا القرار. الحاج عماد كان يريد تغليب الجانب الأمني وطال النقاش بيني وبينه. وفي الحقيقة أنا من اتخذ قرار الظهور العلني، ولو أن شيئاً حصلف في ذلك اليوم كنت أنا من يتحمّل المسؤولية وقد قلت للحاج أنت بريء الذمة، واتكلنا علي الله سبحانه وتعالي. بناء علي أيّ حسابات اتخذت قرارك؟ كان واضحاً عندي أن الإطلالة عبر الشاشة في ذلك المهرجان ستكون محبطة للناس الذين شكلوا حشداً ضخماً. كما أني كنت أتابع عبر التلفزيون التحضيرات، وشاهدت الآتين من البقاع والجنوب مشياً علي الأقدام. من جهة ثانية، لا نقاش في أهمية الظهور العلني في الحرب النفسية. أي أن حساباتي كانت سياسية ومعنوية وأخلاقية وعاطفية وشعبية، لكن في الموضوع الأمني، كنت أعي عندما صعدت إلي المنبر أن هناك احتمالاً بتعرضه لقصف من الجو. لم يكن احتمالاً بنسبة 70 أو 80 في المئة، لكنه كان احتمالاً معتداً به. وأذكر يومها أني اتفقت مع الحاج عماد أن أخطب ربع ساعة أو ثلث ساعة، لكنني تخطيت الوقت حتي راح يرسل إليّ أوراقاً طيلة الوقت بأن «خلّصنا انزل خلّصنا انزل». هل اقتصار الخطاب علي عشرين دقيقة له علاقة بالوقت الذي يحتاج إليه الطيران الإسرائيلي لكي يصل إلي الأجواء؟ لا، القصد هو الاختصار ما أمكن. القول إنهم بحاجة إلي 15 دقيقة ليس دقيقاً.
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق: