احدث خبر:
رمز الخبر : ۳۸۵۶۳۴
۱۱:۴۹

۲۲/ذی الحجه/۱۴۴۷

قصة الحرب التي تتكرر باستمرار في العالم

قصة الحرب التي تتكرر باستمرار في العالم
يتحدث كتاب «حرب فيتنام» بصراحة تامة عن هذا النمط من الاستعمار وكيفية تسلل الرؤساء الأميركيين إلى دول آسيا؛ كيف يبدأ الاستعمار بالكلمات أولاً، ثم بالرايات، ثم بالأسلحة، وأخيراً بالقبور. كما يوضح كيف يتم تشجيع القادة المحليين على الانقسام، بل وحتى دعمهم في ذلك، قبل أن تتسع دائرة التدخل وتتشابك خيوط الصراع.


نوید شاهد نقلا من وكالة أنباء الكتاب الإيرانية (إيبنا) – حنان سالمي: على خلاف عادتي التي أبدأ فيها القراءة من الصفحة الأولى، وجدتُ هذه المرة أن عينيّ معلقتان بالصفحة الأخيرة من كتاب «حرب فيتنام»؛ صفحة بلا جملة واحدة، فارغة وبسيطة، لا تحتوي إلا على صورة بالأبيض والأسود، أكبر قليلاً من الصور الشخصية الصغيرة، لوجه جندي أميركي شاب يضع على شفتيه ابتسامة باردة وغامضة، وقد كُتب على خوذته: «الحرب جحيم!». أنظر إليها مرة أخرى، لكن بتمعّن أكبر؛ كأن شيئاً ما عند زاوية تلك الابتسامة يربطها بتلك العبارة القصيرة على الخوذة؛ شيء لا أعرفه تماماً، لكن شعوراً ثقيلاً يتسلل إلى داخلي منذ النظرة الأولى.

أغلق الصفحة بسرعة وأعود إلى الوراء، إلى الصفحة الأولى من الكتاب؛ إلى النقطة التي تبدأ عندها معاناة الفيتناميين: «على الرغم من أن فيتنام بلد صغير وبعيد، فإن حرب فيتنام كانت واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل وأهمية وتدميراً في النصف الثاني من القرن العشرين». حرب جحيمية بدأت من الانقسامات الداخلية بين فيتنام الشمالية وفيتنام الجنوبية، ثم ما لبثت أن فتحت الباب أمام دخول الولايات المتحدة الأميركية مع آلاف مستشاريها العسكريين – تحت عنوان الوساطة – لتشعل ناراً التهمت لهيبها لحم وعظام الشعب الفيتنامي.

كتاب «حرب فيتنام»، الذي أعدّه وكتبه فريق من مؤرخي مؤسسة «أورلي هيستوري» الثقافية، وصدر في إيران عن دار نشر «سفير»، يقدم رواية موثقة ومكثفة وسلسة عن معاناة تلك الحرب. ورغم أن الكتاب لا يتجاوز سبعة وسبعين صفحة، فإنه يقدّم بصورة عميقة وحية معلومات واسعة عن أزمة عالمية، في عرض موجز ومفهوم، ليضع أمام القارئ مسار حرب اشتعلت بفعل التدخلات والدعم الأميركي، وانتهت مع تدفق دماء الفيتناميين بين سيقان الخيزران العالية.
كن ما القصة؟ «عبء الرجل الأبيض»؛ تعبير ظهر للمرة الأولى في قصيدة للشاعر روديارد كبلينغ، ثم تحوّل لاحقاً إلى أحد أكثر الأقنعة الاستعمارية أناقةً وخداعاً. مسؤولية يُقال إنها تقع على عاتق الرجل الأبيض في أميركا وأوروبا؛ مسؤولية «تمدين» الشعوب الملوّنة، وإنقاذها من الفقر والبؤس اللذين يخنقانها، وتعليمها أساليب الحياة! كانت تلك الذريعة الأكثر ترتيباً وجاهزية لتبرير الاستعمار والاستغلال. ولم يكن الفيتناميون أصحاب العيون اللوزية بمنأى عن «مسؤولية الرجل الأبيض»، إذ وقعت أرضهم في قبضة الاستعمار الفرنسي؛ حتى إن مؤلفي كتاب «حرب فيتنام»، وبالاستناد إلى وثائق تاريخية، يذكرون في أحد فصول الكتاب: «عندما ضرب الجفاف البلاد عام 1944 – وهو جفاف كان إلى حدٍّ ما نتيجة سوء استغلال الفرنسيين للموارد الطبيعية في فيتنام – لم يقدّم أحد أي مساعدة لسكان هذه المنطقة، وقضى نحو مليوني إنسان».

ويتحدث كتاب «حرب فيتنام» بصراحة عن هذا الاستعمار، وعن الكيفية التي كان بها الرؤساء الأميركيون يتدخلون في شؤون الدول الآسيوية؛ كيف يدخل الاستعمار أولاً بالكلمات، ثم بالرايات، ثم بالأسلحة، وأخيراً بالقبور. كما يوضح كيف يجري تشجيع القادة المحليين على الانقسام، بل ودعمهم، قبل أن يُستغنى عنهم بسهولة لاحقاً. ومن النقاط اللافتة في الكتاب الإشارة المباشرة إلى دور الرأي العام الأميركي في إضفاء الشرعية على هذه الحرب الجحيمية؛ شرعية تُمنح تحت شعار الدفاع عن أمنهم، مقابل سلب أمن ملايين البشر في بلدان أخرى، قبل أن يبدأ الندم لاحقاً. ويصف المؤلفون ذلك بالقول: «كلما طال أمد الحرب، ازداد شكّ وتردد الشعب الأميركي. كانوا يتساءلون: لماذا لا تنتهي الحرب؟ ولماذا يُرسَل كل يوم مزيد من الشباب إلى فيتنام؟ لماذا نخسر هذا العدد الكبير من القتلى؟».

«حرب فيتنام» مقطع مرير من حرب جحيمية؛ حرب يمكن رؤية جراحها الرطبة حتى بين خيوط الصور الأبيض والأسود في صفحات الكتاب. كتاب يروي مذبحة الحياة ذاتها؛ إذ شهدت ثلاث سنوات فقط من تلك الحرب إعدام اثني عشر ألف فيتنامي، فيما قضى أربعون ألفاً آخرون في السجون. إنها قصة حرب تتكرر باستمرار في العالم؛ حرب تُزرع بذورها الفاسدة في شعارات «الرجل الأبيض صاحب المسؤولية». حروب تبدأ بذريعة الأمن والدفاع عن الشعوب، لكن لا أحد يعرف متى تنتهي أو أين تتوقف. تماماً مثل حرب فيتنام؛ حرب قيل إن نهايتها ستكون واضحة، لكنها اختفت في الضباب كما بدأت. «كيف انتهت؟ بالطريقة نفسها التي بدأت بها: في غاية الغموض».

 

 

انتهی


تقرير الخطأ

إرسال تعليق
تصميم الموقع:"إيران سامانة"