رمز الخبر: 199304
تأريخ النشر: 06 April 2009 - 00:00
من الهموم التي شغلت بال السيّد الصدر رحمه الله قضيّة المنبر الحسيني ٬ وكان يدعو الشيخ احمد الوائلي رحمه الله إلي تحمّل شيء من مسؤوليّة المنبر٬ ولو بعمل بسيط يتطوّر بعد ذلك . وبعد مداولات كثيرة انتهي الأمر إلي أن السيد رحمه الله قال للشيخ الوائلي رحمه الله : (لك عليّ الأمور التالية : أن ادمج خطباء المنبر بالحوزة العلمّية حتي يحصلوا علي ما يحصل عليه طالب العلم من مكاسب مادّية و روحيّة وعلميّة ٬ وبذلك تزول كثيرٌ من المشاكل عن طريقهم .



المنبر الجديد من الهموم التي شغلت بال السيّد الصدر رحمه الله قضيّة المنبر الحسيني ٬ وكان يدعو الشيخ احمد الوائلي رحمه الله إلي تحمّل شيء من مسؤوليّة المنبر٬ ولو بعمل بسيط يتطوّر بعد ذلك . وبعد مداولات كثيرة انتهي الأمر إلي أن السيد رحمه الله قال للشيخ الوائلي رحمه الله : (لك عليّ الأمور التالية : أن ادمج خطباء المنبر بالحوزة العلمّية حتي يحصلوا علي ما يحصل عليه طالب العلم من مكاسب مادّية و روحيّة وعلميّة ٬ وبذلك تزول كثيرٌ من المشاكل عن طريقهم .أن أعمل علي إيجاد صيغة تؤمّن لهم ضماناً لأيّام عجزهم حتّي لا يتعرّضوا لذلًّّ أو ضياع كما هو الوضع السائد . أن تكون لهم مؤسّسة مركزيّة يصدرون عنها في مناهج موحّدة و توجيهات تصدر لهم في ذلك . كما تعمل هذه المؤسّسة علي التعريف بهم في داخل العراق وخارجه مّما يعطيهم زخماً و مكانة معترفاً بها ٬ و تكون المؤسّسة تحت ظلّ المرجعيّة ). ثمّ خاطب الشيخ الوائلي رحمه الله قائلأً : ( امّا الذي عليك ٬ فهو أن تضع خبرتك في هذا الميدان تحت أيدي طلاّب هذه المؤسّسة ٬ و تتعاون مع زملائك الذين تعرفهم بالكفاءة لسدّ الثغرات المحتملة٬ وتقومون بأدوار تنويه عن هذه المؤسّسة في المجتمعات ذات الشأن ٬ وفي الوقت ذاته أن تستمرّوا في تطوير انفسكم ) (١) . و تفصيل الكلام أنّ الشيخ احمد الوائلي رحمه الله وضمن اهتماماته بالمنبر الحسيني تحدث في مجلس السيد الصدر رحمه الله عن هموم هذا المنبر٬ فرأي من اهتمامه وإصغائه لما يدور حول ذلك مالم يره عند غيره ٬ وسمعَ منه تأكيداً علي ذلك دفعهُ إلي معاودة الموضوع كلما دخل عليه . ولكثرة ما عاودا طرق الموضوع فقد أشبعت جميع جوانبه تقريباً بالبحث . أمَا حول أبرز ما دار من حديث بينهما ٬ فقد كانت أهمّ الأفكار التي في ذهنه رحمه الله تتلخّص في عناوين رئيسيّة منها بصورة مجملة : ١- تقعيد المنبر ٬ بمعني أن يصدر المنبر عن قواعد و علم إذا تناول أيّة مفردة من مفردات خطابه ٬ فيكون مثل خطيب المنبر مثل طالب العلم الفاضل إذا عالج مفردة في موضوع شرعي حيث يعالجها بمنهجيّة . مثلاً إذا عالج مسألة فقهيّة نضر إلي دليلها ٬ فإذا كان من غير القرآن الكريم يبدأ بتوثيق الدليل من حيث السند ٬ ثم يبدأ بتقييم الرواية وتحقيقها من حيث عدم الزيادة والنقص و التحريف٬ ثم ينتقل الي ألفاظها ٬ ويسأل : هل هي ممّا لا يحتمل الا معني واحداً ٬ أو يحتمل اكثر من معني ؟ فيصنفها الي نص او ضاهر او مؤول ٬ ثم يجمع الروايات حول الموضوع ليري مدي تأثيرها في دلالات الرواية علي المعني المراد او الحكم المراد ٬ ثم يبحث عما يعارضها ويعمل فيها وسائل التعادل والترجيح الخ .. وبالأختصار أن يسلك الخطيب مسلك الفقيه في معالجة ما يطرحه علي المنبر من عقيدة او احكام . ٢- اثراء مادة المنبر بمعنا تنويع مضامين المنبر والتماس المواد المشوقة للسامع ٬ والتي يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الاختلاف في مستوا المستمعين ومداركهم في الوقت نفسه والظروف المحيطة بالمنبر . وبذك يحافض علي رعيل المنبر و رواده ٬ ويعمل علي زيادة عددهم من الناحية الكمية ٬ كما يعمل علي الارتفاع بمستواهم تدريجياً ٬ وذلك في قوالب تتناغم مع امزجتهم لأنهم من شرائح غير متجانسة في كافة النواحي غالباً وذلك كله في اطار اجوائنا العقدية والشرعية ٬ فهي الهدف الأساسي ٣- العمل علي الأرتفاع بالمنبر حتي يصل الي مستوي مرجع متجول يرجع اليه الجمهور للتعرف الي الكثير ممّا يهمه من قريب او بعيد من حكم شرعي او عقيدة . و بتعبير اخر الطموح الي جعل المنبر مكتبة متنقلة ترتقي بمقدار ما تؤدي المطلوب للجمهور ٬ علي نحو موسوعي لا يصل الي حدود التخصص . واذا قدر له ذلك فهو فتحٌ في افاقنا المعرفية و بذلك يكون المنبر مؤهلاً للخوض في الأفكار العامة ٬ وليس دخيلاً عليها ٬ مع لفت النضر الي انه فعلاً سائرٌ الي هذه المرتبة رغم الثغرات التي تحوطه ٬ وذلك كله لالتفاف الناس حوله بدافع من العقيدة وطلب الأجر . وهذه الامور الثلاثة فيها تفاصيل كثيرة وشعب دار حولها كثير من النقاش وخصوصاً من ناحية أن ما هو قائم بالفعل يمكن تهذيبه ٬ او ما هو مؤمل وممكن في حدود الأمكانات المتاحة هذا ما له صلة بالمضمون الثقافي للمنبر ٬ اما الجانب المتحرك في افق المنبر - وهو الخطيب - فأنه وان كان ليس بعيداً عن الذهن عند بحث المضمون٬ كان السيد رحمه الله يري انه العنصر المؤثر فيه والروح الحقيقية له ولهذا استأثر بحصة لا تقل عن حصة مضمون المنبر في الحديث الذي جري بين الشيخ الوائلي وبين السيد الصدر رحمهما الله من حيث ما يجب ان يحمله من مؤهلات و ما يتصف به من صفات . و كان اهم ما انتهت اليه الاراء ما يأتي :- أولأً : أن يكون رعيل الخطباء قسماً من الحوزة لا قسيماً لها ٬ بمعني أن يسير هؤلاء الخطباء علي ما يسير عليه طلاب الحوزة من خطوات في المنهج والمضمون ٬ وفي سلوكهم و هديهم والتزامهم بأجواء الحوزة . وإذا قدر لهم أن يتصفوا بذلك ٬ فستحصل لخطيب منهم أمور أهمّها : الثقة بنفسه وأنه بمستوي أداء الرسالة علمياً وستتغير النضرة إليه عند الجمهور من كونه مجرد ذّاكرٍ يمارس موضوعاً يتصل بالعواطف عند محّبي آل البيت عليهم السلام إلي كونه من أهل العلم الذين يقومون بما يقوم به ممثلو العلماء في البلدان . غاية ما في الأمر أنّ الممثلين ثابتون في مكان محدّد وهؤلاء متجوّلون . وبذلك سيكون الخطباء مشمولين بكّل ما للحوزة من حقوق ورعاية وغطاء مادي من الحقوق الشرعيّة حتي لا يتعرّضوا للضياع في أيّام العجز و الشيخوخة ٬ إلي غير ذلك من مكاسب . ثانياً : يتعيّن علي الخطيب – إضافة إلي ترسّمه المنهج الحوزي – أن يحقّق اتقان الأليّات ذات العلاقة بفنّ الخطابة الحسينية ٬ لأنّ ذلك من أوّل شروط المنبر الناجح ٬ علي أن تكون هذه الأمور مسايرة للتطوّر أداءً و مضموناً ٬ ومنسجمةًً مع ضوابطنا الشرعّية والأخلاقية وحاملة لسمات عقيدتنا في خطوطها العامّة ٬ ومتصفة بالبعد عن المبالغات و التهويلات ٬ الأمر الذي يجعلها مستساغة ؛ وبالاختصار أن توكن وفق المواصفات السليمة. أن هذه الأليّات المذكورة هي العنصر الفاعل في جذب الجمهور إلي المنبر ٬ ومن ثمّ مخاطبتهُ وفق المستويات التي يخضع لها ٬ من حيث الزمان والمكان والهويّة وغير ذلك ممّا يحدّد آفاق المستمعين . وينبغي إلاّ يحرص الخطيب علي مجرّد إرضاء المستمعين بالنزول إلي مستواهم وما يتوقون إليه ٬ خصوصاً إذا كان يؤدّي إلي الهبوط الي بمستوياتهم ٬ ولا بدّ من محاولة الارتقاء بهم تدريجّياً وبهدوء. إن بعض تلك الممارسات حّتي لو كانت سائغة شرعاً ٬ لكّنها إذا كانت تؤدّي إلي ما يهبط بجمهورنا ٬ فينبغي الأبتعاد عنها . إنّ عمليّة الأنتقاء هنا ضروريّة ينبغي أن ترضي مزاجنا الديني وإن كانت لا ترضي الخطيب أو الجمهور ٬ ذلك أنّ الخطيب حامل رسالة ٬ و الرسالة تبني وإن كانت عملية البناء متعبة تكلف جهداً ومعاناة . ثالثاً : أنطللاقاً من ذلك لا بد من عمليّة انتقاء لمن يمارس الخطابة ٬ بمعني أنه ينبغي ألاّ يكون الباب مفتوحاً أمام من يريد سلوك هذا الطريق ما لم يحمل المؤهلات ٬ ولو بالحد الأدني . وليس من المحتم دخوله هذا السلك ٬ بل يمكن تيسير السبيل أمامه إلي أداء رسالة عن طريق الحوزة التي لا ضرورة فيها للشروط المطلوبة من الخطيب ممّا سيشار إليه . وبذلك سيحقق للمنبر ما هو ضروري له ولطالب أداء الرسالة ما يحفظ له مكانته ولا يعرضه للضياع لفقدان الشروط المنبرية المفروض أن تتوفر لديه . وفي المقابل يكون الكثيرون ممّن يمارسون الخطابة ولا تتوافر لهم الظروف المطلوبة عرضتاً للضياع وإهدار العمر في ما لا يعود عليهم بالمطلوب . ولعلّ أبرز ما قد يحتاجه الخطيب أمور : ١- حسن المظهر ووجاهته في حدود معقولة ٬ وينبغي الاّ يتصف الخطيب بما يغاير ذلك . ٢- أن يكون ممّن رزقه الله تعالي صوتاً جيّداً مرناً وقابلاً للتكّيف مع الحالات المطلوبة في الأداء ٬ لأن حاجته لذلك شديدة ٬ بحكم كون الصوت الجيد عامل جذب مهمّاً للجمهور . ٣- أن يكون ذا حافظة سليمة لخزن المعلومات وليس من المبتلين بعكس ذلك. ٤- أن تكون عنده موهبة حسن الأختيار٬ سواء كانت ذاتية أو مكتسبة ٬ مع قدرة علي التحرك بهذه الموهبة في المواقف المطلوبة . ٥- كونه من ذوي السمعة الحسنة٬ ومن دون ذلك يفقد التأثير ولا يعتني بقوله. ٦- أن يكون قد أجتاز مدة من التدريب و التلمذة تحقق له النضج في الخطابة والتحلي بخواص المنبر التي يكتسبها من مجموعة وليس من واحد ٬ لأنها قد لا تكون مجموعة عند واحد ٬ فيأخذ من كل منهم ما هو متميز به. هذا اقل ما ينبغي أن يكون عند الخطيب ليكون مؤهلاً للقبول في ما يمارسه من عمل المنبر ٬ وحتي نكون قد اخترنا للمنبر من هو مؤهّل ومهيأ لأداء هذه الرسالة ٬ وإلا فليس من الصحيح أن نضعه في غير مكانه فنسيئ له من ناحية ولرسالته من ناحية أخري . هذه هي ابرز الأمور التي بقيت لنا ممّا دار حوله الحديث مع السيد الصدر رحمه الله . أما ما تم تداول الحديث حوله في كيفية تجسيد ما انتهيا إليه نظرياً ٬ قد أستقر الرأي علي الخطوات الآتية : ١- أن يتم العمل لذلك بهدوء ومن دون واجهات بارزة ٬ وإنما بعمل بسيط وفي خطوات حذرة ٬ ومن دون استفزاز للآخرين مع التبيّن بعد كل خطوة في مدي صوابها قبل البدء بالخطوة الثانية ٬ وذلك تحاشياً للمضاعفات. وهذه الأمور أستفادها الشيخ الوائلي رحمه الله قبل ذلك من تجربة (جمعية منتدي النشر العلمية) في النجف الأشرف عند البدء بتأسيس معهد الخطابة الذي انتهي إلي الإخفاق ٬ فلا ينبغي أن تكرّر تلك التجربة ما دام معظم العوامل لا يزال قائماً بالفعل . ٢- أن يتمَّ اختيار مجموعة من المأمولين ٬ يتراوح عددهم بين الخمسة والعشرة أشخاص يكونون خميرة التجربة ٬ والنموذج الممّثل لما يراد الحصول عليه من المنبر ليطرح في الساحة ٬ وإذا قدر له النجاح فسيخدم فكرة إيجاد مؤسسة للخطابة . ٣- لا بد من تحضير الوسائل اللازمة من مفردات المنهجين الحوزوي والخطابي في حدود القدرات المتاحة حتي يبدأ العمل فوراً ٬ ونكسب بذلك الوقت لئلا يبرد الحماس حول الموضوع . ٤- ممّا يكلف به هؤلاء الطلاب وفي أثناء الدراسة تأليف مواضيع خطابية متنوعة ٬ ويسايرهم الأستاذ في خطواتهم حول ذلك ٬ ثم يكلفون بقراءتها في مجلس يتم فيه حضورزملائهم ٬ ويتم تبادل الآراء حول تلك المواضيع ويستفاد من ملاحظات الحضور ٬ ويكون ذلك تدريباً ميدانياً يعمل علي تأهيل الخطيب وتوفير التسديد له ٬ ممّا قد يتعرض له من تعثر في طريقه . ٥- يفترض وجود حدً أدني لا بدّ من أن يصل إليه الخطيب قبل ترشيحه لممارسة رسالته ٬ ويترك الباقي لما يحمله هو من كفاءة وقابلية في ساحة المنبر . ٦- في اثناء ذلك يتمُّ ترويض أذهان الجمهور لقبوله عن طريق التنويه به والإرشاد بمؤهلاته وإعلان اجتيازه للامتحان فيما إذا اجتازه بنجاح ٬ ويتمُّ هذا التنويه به في الداخل والخارج بوساطة المعنيين بهذه الشؤون في كل بلدة تحتاج إلي خطيب في ذكري الحسين عليه السلام . ٧- إذا تم له اجتياز العقبات ينصرف الي العمل ٬ وإلا لابد من العمل علي توجيهه لساحة أخري كما أسلفنا حيث تتعدّد ساحات الحوزة من تخصص أو كتابة أو تدريس وهكذا . ٨- ليس من الضروري أن تكون فعاليات الدراسة هذه في محل معين خاص٬ بل تتم علي نمط الدراسة الحوزويّة الحرّة في مسجدٍ أو بيت أو مؤسسّة ٬ الي ان يتاح لنا الوصول بعد ذلك الي مدرسة متخصّصة . ٩- فيما يخصُّ المنهجين المذكورين من الدراسة الحوزوية والدراسة الخطابية ٬ فقد تكفّل السيّد الصدر رحمه الله بالمنهج الأوّل عن طريق توفير المدرّسين والكتب . أما المنهج الثاني فقد أتفق رحمه الله مع الشيخ الوائلي رحمه الله علي أن يقوم هو - أي الوائلي – مع اثنين من زملائه اللذين يختارهما ٬ بتهيئة المنهج الثاني ٬ يقومون بذلك معاً ويضعون ما يملكونه من خبرة بين يدي الشريحة المذكورة من الطلاب (٢) . ______________________________________ ١- (تجاربي مع المنبر :١١١. ٢- (هموم المنبر عند الشهيد محمد باقر الصدر ٤٠١-٤٠٩.
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
‫الموقع‬ ‫جدید‬
‫قراءة‬ ‫اکثرة‬