رمز الخبر: 315805
تأريخ النشر: 17 September 2011 - 00:00

ثورة ليبيا تدغدغ وجدان شباب الجزيرة العربية

نويد شاهد -:رغم حرارة الصيف المرتفعة واعياء آخر ايام رمضان وحالة صمت تسبق العاصفة الا أننا نرصد تحرك وجدان شريحة شبابية في جزيرة العرب ربما لا تعبر عما يدور في مخيلتها الا في مجالس مغلقة واتصالات سرية وبعض الايماءات النصية هنا وهناك تتخفي تحت مظلة اسماء مستعارة وكتابات لا تنسب الا لمجهولين فضلوا في ظل مرحلة القمع الحالية ان يظلوا متوارين عن الانظار حتي تتبلور القضية وتتضح الصورة. مضاوي الرشيد


علي حسب تقرير نويد شاهد نقلا عن خبرأونلاين رغم حرارة الصيف المرتفعة واعياء آخر ايام رمضان وحالة صمت تسبق العاصفة الا أننا نرصد تحرك وجدان شريحة شبابية في جزيرة العرب ربما لا تعبر عما يدور في مخيلتها الا في مجالس مغلقة واتصالات سرية وبعض الايماءات النصية هنا وهناك تتخفي تحت مظلة اسماء مستعارة وكتابات لا تنسب الا لمجهولين فضلوا في ظل مرحلة القمع الحالية ان يظلوا متوارين عن الانظار حتي تتبلور القضية وتتضح الصورة. من الواضح ان شباب الجزيرة تعاطي مع الربيع العربي بشكليه السلمي كما حدث في تونس ومصر والعنيف المسلح كما حصل حاليا في ليبيا بطريقتين مختلفتين تماما. في الحالة الاولي استبشر شبابنا بمظاهرات مصر وشدت انتباههم حشود ميدان التحرير وشواطئ الاسكندرية واستمتعوا بشعارات تطالب برحيل النظام واخري لم تخل من روح النكتة المصرية القاتلة التي اطاحت بنظام مبارك بالكلمة اولا والاعتصام السلمي ثانيا وراقبوا الدراما التاريخية المصرية ونشطوا في متابعتها علي شاشات التلفاز وعلي نصوص الفيس بوك والتوتير ولكن الكثير منهم وجد في هذا العمل الميداني حالة طارئة غريبة عن بيئته وثقافته فليس لشعب الجزيرة باع طويل في المظاهرات والعصيان المدني رغم مرحلة عابرة دخلت فيها هذه المظاهر الجديدة الي قاموس العمل السياسي وباستثناء المنطقة الشرقية حيث تقبع المجموعات الشيعية التي تمرست بمثل هذا الحراك في مراحل تاريخية سابقة كان اشهرها واقواها ما سمي بانتفاضة المنطقة الشرقية في اوائل الثمانينات الا ان التظاهر لا يزال عملا غير مجرب ويعتبر صاحب جدوي محدودة لا تستسيغه الاكثرية الشبابية ولا تؤمن بفعاليته لذلك كانت رد الفعل علي الحالة المصرية والتونسية تتسم بالاعجاب الذي يختلط بالتردد والتشكيك في صلاحية استنساخ هذا الحراك وتطبيقه في جزيرة العرب. وان لم يخرج شباب الجزيرة مطالبا بحقوقه تحت مظلة انتخابات سلمية فهذا لم ينطلق من كونه ملتزما بفتاوي مطاوعة النظام التي تحرم التظاهر او كونه جبانا لا يريد المواجهة مع اجهزة الامن كذلك مقولات لم يخرج الشباب لان رشاوي النظام استطاعت ان تنجح في شراء ولائه ولو مرحليا في هذه اللحظة. وكان علي مطاوعة النظام ان يوفروا عناءهم ونصوصهم الباهتة لكنهم من باب الحيطة والحذر وامتثالا لاوامر ولي أمرهم حظروا بياناتهم مسبقا ونشروها علي الملأ فلم تخرج مظاهرات جدية ليس امتثالا وتطبيقا للفتاوي المحرمة ولكن لسبب ابعد بكثير من مسألة التحريم والتحليل ولم يبحثوا عن ساحة تحرير للتجمع والتجمهر والسبب الرئيسي خلف هذا التردد هو ثقافة سائدة متأصلة في تراث تاريخي لا تزال ارهاصاته تدغدغ المشاعر وتحرك الوجدان ومن هنا اهمية التجربة الليبية المسلحة والتي يراقبها شبابنا عن بعد ولكن بجدية واضحة برزت في تعليقات وصلنا منها الكثير وراقبناها عن كثب. لقد انشد شبابنا للثورة المسلحة والتي يعرفونها ليس من خلال موقع المتفرج المراقب البعيد بل لا يزالون يعيشون تاريخها القابع في مخيلتهم التاريخية ورغم صغر سنهم وبعدهم عن هذا التاريخ الا انه لا يزال يدغدغ مشاعرهم من خلال قصص الاولين فهم عاشوا علي تراث ثقافي مؤصل في حكاياتهم وقصائدهم وسردياتهم التاريخية وكله يتمركز علي فكرة انتزاع الحقوق بالقوة والمواجهة المسلحة. من هنا اهمية الوضع الليبي بالنسبة لهم اذ انهم يتابعون دراما تاريخية تختلف عن نظيرتها المصرية ـ التونسية حيث ارتفعت اصوات الرصاص علي الكلمات وحشد الاجساد في الميادين العامة. فهم اليوم يعيشون تراث العنف وادبياته التاريخية في مشهد يومي يراقبونه عن كثب ويسقطون عليه حالة جغرافية وثقافية مماثلة للحالة الليبية رغم بعض المفارقات البسيطة الهامشية. فالارث القبلي الذي امتزج بالخطاب الديني خلال العصور السابقة ولد مفهوما خاصا يتعلق بكيفية انتزاع الحقوق وفرض الموقف بالسلاح وليس بالاعتصامات السلمية. ففي كل من السعودية وليبيا ظهرت في الماضي حركات دينية مدعومة قبليا لجأت الي المقاومة المسلحة ونذكر هنا السنوسية الليبية والحركة الوهابية فرغم اختلاف المنطلقات الا ان الطبيعة الاجتماعية والجغرافية والثقافة المحلية في البلدين أفرزت ارثا تاريخيا متشابها الي حد كبير. وليس من المستغرب ان المجتمعين الليبي والسعودي قد افرزا تيارات جهادية مسلحة في العصر الحديث حيث شارك هؤلاء في قتال مسلح في مناطق مختلفة من العالم الاسلامي وامتلأت السجون من باغرم مرورا بغوانتنامو والرياض وطرابلس بأعداد كبيرة نسبة لتعداد السكان في البلدين. فما معني هذه الظاهرة السوسيولوجية والتي لا يمكن تفسيرها كانعكاس لتلبية دعوات الجهاد او ظاهرة من مظاهر التدين المفرط ورغم ان التنظير للعمل المسلح الجهادي قد صدر عن مرجعيات ليست غارقة في البداوة او القبلية الا ان وقودها وجنودها كانوا يأتون من مناطق لها ذاكرة تاريخية حديثة بهذه الانماط الاجتماعية التي ارتبطت بثقافة تختلف تماما عن ثقافة المناطق العربية ذات الماضي البعيد في الحياة المدنية المستقرة وارثها المدني السلمي الي حد ما. وفي هذه البيئات العربية الغارقة في قبليتها نجد عيون شبابها وزنودهم تقبض علي الحسم العسكري وتقف موقف المتفرج علي منظورات حديثة ودعوات طارئة علي الثقافة والبيئة المحلية. ورغم ان الثورة الليبية بدأت سلمية الا انها تحولت بسرعة الي ثورة مسلحة لم يتردد فيها شباب ليبيا عن حمل السلاح بعد ان توفر لهم نتيجة انشقاقات في الصفوف العسكرية والامنية فانتقلت المواجهة في اسابيع قليلة من مظاهرات سلمية في شوارع بنغازي الي ثورة مسلحة تنتقل من مدينة صحراوية الي اخري تحت رايات متعددة ومتنوعة قررت ان تجتمع في هذه المرحلة رغم ان المستقبل قد يأتي بمفاجآت وافرازات ربما هي غير متوقعة حاليا ولكنها ستظهر في المستقبل وباشكال ربما لم تكن في الحسبان. ويغذي هذا الانشداد كون المجتمعين في ليبيا والسعودية حرما من تجربة ومؤسسات المجتمع المدني والثقافة السياسية الحديثة التي تدخل انماطا جديدة للعمل السياسي كالاحزاب ومؤسسات المجتمع المدني علي خلاف المجتمع المصري والتونسي حيث تواجدت اقدم الحركات السياسية والعمالية والطلابية والتي انبثقت تحت مظلة الاستعمار وارتبطت بحركات التحرر من التبعية وانخرطت المجتمعات في صراع طويل مع هذا الاستعمار في ثورات سابقة مما ادي الي تبلور وعي سياسي وطني في القرن العشرين. ورغم ان ليبيا وتجربتها مع الاستعمار تختلف عن التجربة في الجزيرة العربية الا انها تخلصت منه بثورة مسلحة في السابق وهي اليوم تمارس هذه التجربة التاريخية بنفس الآليات السابقة. اما في السعودية حيث ينعدم الخطاب التحرري نتيجة اختلاف طبيعة الهيمنة البريطانية في السابق عن نظيرتها الايطالية اولا والبريطانية ثانيا الا ان الخيار السعودي المسلح كان الوسيلة الوحيدة لفرض هيمنة استعمارية محلية علي باقي اجزاء الجزيرة العربية بمباركة بريطانية. وخلال اكثر من ثلاثين عاما دخلت الجزيرة في مخاض مسلح عسير انخرط فيه ابناء الجزيرة في حروب طاحنة كانت تنتقل من منطقة الي اخري تحت راية حضرية ولكن وقودها كان من العمق القبلي للمنطقة. من هنا ارتبطت المشاريع السياسية منذ يومها الاول بالعمل المسلح تحت مسمي الجهاد في سبيل تطهير الجزيرة من شركياتها المزعومة وبعد استكمال المشروع بدأ التصدع يظهر مباشرة وعبر عن نفسه بثورات مضادة مسلحة هي الاخري بعد ان اتضحت الصورة وتبلورت الطموحات الحقيقية وراء مشروع التطهير الديني. فثارت قبيلة مطير وعتيبة بعد ان تم اقصاء زعاماتها في المشروع الجديد ومنذ ذلك الحين ظل العنف والمواجهة المسلحة صفة ملازمة للحراك السياسي في الجزيرة العربية ادي الي صدامات لم يسلم الحرم المكي الشريف منها عام 1979 وامتدت حتي هذه اللحظة تحت منظومات جهادية حديثة. ورغم ظهور تيارات سياسية دينية تؤصل لثقافة الحراك السلمي الا انها تظل غير قادرة علي استيعاب الارث الثقافي التاريخي الذي لم يعرف ولم يمارس بشكل جدي مثل هذا العمل الطارئ علي بيئة المنطقة في تاريخها القديم والحديث. من هنا نراقب هذا الانشداد نحو النمط الليبي والاهتمام بتفاصيله ومراقبته والتجاوب معه وكأنه شأن محلي وافتراضية تناجي قلوب بعض الشباب وتهيج مشاعرهم ومخزونهم الثقافي القديم. فهم اليوم يشاهدون دروسا حية تحرك هذا المخزون المكبوت والذي انطلق في الماضي خلال حقبات تاريخية متتالية وعبر عن نفسه بعنف واستماتة أرهبا الكثير من المراقبين لشؤون الجزيرة العربية وأديا الي عنف مضاد يمارسه النظام يفوق بكثير عنف المجتمع الذي حتي هذه اللحظة تمسك بخيار المواجهة المسلحة علي حساب العمل السياسي السلمي الحديث. فإن استغرب البعض تردد شباب الجزيرة في الخروج والمشاركة بمظاهرات سلمية فهذا ليس لانه شباب مرفه مدلل خامل كما يحلو لبوق النظام والناطقين باسمه في المحافل الدولية والعلمية والاكاديمية ان يصفوه خاصة عندما يفسرون صمته وعدم التفاعل مع قضاياه السياسية والحقوقية الملحة او بطالته الحالية او تفسير صمته كنتيجة حتمية لحالة جبن وتخاذل واتكالية الا ان قراءتنا لمشهد شبابنا اليوم يجعلنا نقتنع انه مشدود للخيار المسلح والذي هو مؤجل لسبب بسيط هو خوفه من تدخل خارجي يحسم الموقف لصالح النظام وان كان النظام هو الاول في استدعاء هذا التدخل الا ان شبابنا لن يكونوا يوما عاملا فعالا في جلب مثل هذا التدخل الي قلب الجزيرة العربية تماما كما يفعل النظام حاليا. وسيبقي الباب مفتوحا علي الخيار المسلح المؤجل طالما ظل النظام ممانعا لدخول ثقافة سياسية سلمية جديدة تنتقل الجزيرة من تراثها القديم الي العصر الحديث. من هذا المنطلق كانت ثورة ليبيا المسلحة لحظة وجدانية فريدة. ' كاتبة واكاديمية من الجزيرة العربية
رایکم
الاسم:
البرید الإلکتروني:
* التعلیق:
جدید‬ الموقع
الاكثر قراءة